فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 38

بيد أنني أسرعت الخطا، كأنني أصدّقه، ما حيلتي به، وهو يحزمني معه، ويلفني، كأنني محدلة. أو صرة خرق. كدت أنسى نفسي، وما بها من هم وبؤس، وأنا أتخبّط ببعضي وأمشي. لم أعد أفكر كيف فارقتني (وفاء) . ولا كيف لفظت أنفاسها الباردة بين يدي.

كأنَّ القوة والخوف"لازمتان"ضروريتان، للإنسان في حياته...

إيْيْه...! كم مرة اعتملت الثورة، في داخلي، على فراق (وفاء) ، انعكفت على ذاتي، زهدت، انكمشت إلى درجة حجم البصلة، أيامًا وأسابيع قضيتها، وأنا منطوٍ، أناجي طيفها من على ضفاف الدموع، وأحملق في النجوم.

علّني أعود وأرى نجمها الذي انطفأ! وكم مرة وقفت في باب خزانتها. استعرض فساتينها الغوالي، وأشياءها الدافئة، وأنظر إليها بعيني الداخليتين.

أرى قوامها الحميم الأنيس، ووجهها البهي المجتبى. كأنها لم تغادر هذا البيت. أيكون هذا حقيقة؟

اليوم، وأنا أمارس طقوسي معها. وأمام خزانتها بالذات، بصمتي المعروف ونفسي الهامدة. لاحت لي في المرآة صورة. أهي صورتي، أم صورتها، تلك التي انعكست في مقلتي؟ كلمتها:"وفاء... وفاء...".

ردَّت:"نعم يا سليم".

يا للروح! لقد أجابتني بصوتها الحنون، وبحتها العذبة، تابعتْ:"إنه الموت يا سليم"!

اعتكرت... ولا أدري كيف ارتميت على خشب الخزانة.

من أين نَبَقَ فيّ هذا الشيطان الرجيم، الذي هزني من داخلي، وتعبّأ كياني؟ ثم أخرجني تحت تهديد سياطه. إلى أين؟ لا أعلم. إنما أقبل حين غشيني ذلك الضباب الكثيف، كالهلام. بل اعترف أن إغمائي هذا كان رفيقًا رحيمًا بي أكثر منه، إذ رفعت إلى الفضاوات الأعلى حيث الهدأة والسكون. وهناك وجدتها مرة ثانية. كانت مصمّغة كالشمع، شفّافة كقالب بلّور. ناديتها:"وفاء"...

عادت ورفت شفتاها:"سليم"...

يا للنطق السامي. كدت أنشطر شظايا، من فرط اندهاشي وسعادتي، أنا صرت كالذي عاد، من الجنة، توًّا....

أ.. أ.. غير أن سعادتي هذه لم تقوَ على ردع استبداد هذا الصاحب، الذي لازمني كلية. كأنه انبثق مني. أيكون إشفاق قد أخذه عليّ، بعد أن رأى أن الدم طفر من جبهتي، وأنفي. وسال على الثياب والخزانة والأرض؟

أف! عدت ورضخت لسطوة هذا الكائن الوافد:"أهذه حالة، يا سليم؟ قمْ اغتسل...".

ثم كرّر:"أستحلفك بها. أترضى، هي، أن تؤول بك الأمور إلى هذه الدرجة؟..."

نفخ نفسًا لاهجًا. ثم تابع:"هيا قمْ".

وقمتُ.

-"ستراها هناك".

وسرت. وأنا أنظر معه إلى الشرق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت