فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 38

كانت الشمس معلّقة بين شفتي الأرض والسماء. نجيع من اللون القاني انداح في الأفق المطلق.

"هذا هو لون الدم، العالم حزين مثلي". /همست في داخلي/.

سمعني، هو، كأنه يتجسّس علي، في كل تضاريس ذهني.

نَبَرَ بلهجة حادة:"اسكت، سترى، بعد قليل، كيف يكون الشروق. ويعمّ الضياء الكون، بأسره، تابع سيرك".

تابعتُ.

صَعِدتِ الشمس، في أثناء سيرنا. واشتدّ شعاعها المبهر. فتلألأت الأمكنة، وامتلأت بذراري الألوان.

-"فتّش عنها هنا".

وقفت حيث روضة بهية. تشيع بالحركة والحياة. رحت ألبي طلبه، أتكون (وفاء) غادرتني إلى هذا المكان حيث الطبيعة الحالمة يا ترى؟

كانت الأشجار تميس مع هبات النسيم الطرية، والأزهار تتفتّح أوراقها. وتسطع بلورات الندى على (بتلاتها) ، وعمّ الهواء ضوع عطر، لا أذكى ولا أطيب.

-"ابحث عنها". / دائمًا يكرر عليّ.

ثمة نشوة جارفة اعتملت في شعوري. فعلًا تغيرتُ عما كنته.

أحسستُ أن قلبي راح ينشرح، ويتسع كالبحر.

غرغرت حَنجرتي:"سأبحث عنها".

وأخذت أدور بين ثنايا الغياض والمروج. ومسارب الأدوية، وحنايا السفوح، أسائل الزهر والشجر والطير عنها.

كانت موسيقى الدغل تصدح بمعزوفة الصباح على رفيف الأريج المنبعث من كل جهة، حيوية دافقة دبّتْ فيّ. رحت أركض وأدور. شعرت أن رائحتها، هي، امتزجت بهذا الكون من حولي، حتمًا سأجدها كما قال لي صاحبي: بل سمعتها هي كأنها توحوح لي، من خلال بقع الغابة الزرقاء:"تملَّ، بروحك هذا الشذا، يا سليم".

ذلك الوجه... تلك المرأة

على الرغم من أنني تجاوزت الثلاثين. أي تجاوزت مرحلة المراهقة الصعبة، الشاقة. تراني قد عدت إليها. عدت بدفقها، ونبضها، وروح شبابها، فلم أتمكن من أن أمنع نفسي، عن رؤية ذلك الوجه؛ منذ أن بزغ علي أول مرة. إذ رحت ألازمه، في كل صباح جديد. وجه يختصر كل وجوه النساء!

أذكر أنني امتنعت عن التدخين، بكل إرادة وصلابة بعد عشرة عشر سنوات، مع سجائره المعطرة. إلا أن أمتنع عن مشاهدة هذا الوجه البهي، فلم أستطع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت