اعتاد أن يطل علي من تلك النافذة -آ..ه! ليتها كانت نافذة- من تلك الشاشة الصغيرة. في كل صباح. يا إلهي! أهو وجه آت من علياء السماء؟ أم وجه حورية، من أعماق البحر؟ من تكون هذه الأنثى الباهرة الساحرة، صاحبته، التي علقت بوجهها الصبوح؛ كالصباح؟ هأنذا أتملاه: العينان السوداوان العميقتان. الأنف القرنفلي الدقيق. الفم البرعمي الصغير. الشفتان الرقيقتان بتلتان من ورد شقائق النعمان. الشعر ليل مسدول يؤطر قمره!
الخلاصة: هو دنيا من الإغراء والدفء والأنس. له طعمه الخاص. ونكهته الفريدة. انغمست فيه. غلّفني وغلّفته. غلّفني ببشاشة لدائنه. وغلّفته بفراشات روحي. ولكن هل تبقى لدي أعصاب تحزمني، حين يرف من مركز دائرته، ثغر باسم، عذب، لينغم بالصوت المخملي الهادئ في تقديم برنامج تلفازي؟ فأي صوت أسمع، أسمهان أم فيروز؟ وأية موسيقى تصدح (لفريد) ، أم (لعبد الوهاب) ؟ وأي ترجيع للغة ملائكية يتردد في أذني؟
أقف مبهورًا مستسلمًا، أمام التلفاز. وكل عصافيري، وأطيار غاباتي، تزقزق، وتنشد. وكل الفصول تنثال بأقمار العطر والأقحوان. السحر يتهادى في فجاج نفسي لحنًا وغناءً!
وأفعم بالجمال الحلال؛ إلى أن تتوارى مرآة الجبين. وتغيب شمس مزارع الحبق وحقول الياسمين، في جمتي الوجنتين الأسيلتين. لأنكمش، بدوري، وأمارس معركة صغيرة، حتى صباح اليوم التالي. إذ أعود تتغذى عيناي بالوجه الزهري. المشرّب بشتى التلاوين، والظلال والأنوار...
وكم طال وقوفي. وأنا صامد قامتي قبالته، جريًا مع عادة الحنين إلى روعة المجهول، وحب الوصول إلى اللا ممكن. وكنت كمن يشاطئ بحرًا مليئًا بالأسرار والألغاز. أعب الطلاوة والعذوبة. وأستاف الشميم والريحان.
أتطاول على قدمي. وقلبي يتخصب فرحًا وشوقًا، علني أرى بقية التكوين الخلاق، في الجسم العجيب! صحيح؟ لم لا يظهر المخرج التلفازي من هذه المذيعة إلا وجهها؟ ماذا يروم..؟ أرأفة منه بالمشاهدين، أم هو من هواة الوجوه فقط -"البورتريه"-؟ ونبعت الأسئلة في رأسي. ثم عدت: واه..! كيف يكون ذلك الجسد الخفي الغائر بكنوزه؟!
العنق العاجي. الصدر الضاج بثماره. أديم البشرة المتلألئة. ال...
وساعات حميمة أقضيها مع المفاتن الموشومة المتخيلة. كأنني في مجد"النعيم". وأهيم بها، وهي أمامي تجسيد خالص للهيام نفسه. حتى اسمها -وهو، طبعًا سيد كل الأسماء وسلطانهم -مشتق من الهيام.