فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 352

ولقد مضى حينٌ من الدّهر اختلط فيه الفنيّ بالسياسيّ، وأصبح الجنوح إلى حكم القيمة المعياريّ دليلًا على تفوُّق الناقد وحسن نيّته وانتمائه. ولكنّ تحليل البناء الروائيّ الذي شرعتْ صورته تتضح في بدايات تسعينيّات القرن العشرين، دلَّ على أن البناء الذي استعمله الأضداد من القرّاء والروائيين والنقّاد نوع واحد ليس غير هو النوع التقليديّ، وأن هؤلاء جميعًا، أصدقاء وأعداء إنْ صحَّ التعبير، كانوا يستعملون البنية التّقليديّة للدِّفاع عن آرائهم والدّعاوة لها، ومن ثَمَّ بقي الاختلاف بينهم مقصورًا على الأفكار ولم يجاوزها إلى تحديث البناء الرّوائيّ، وإنتاج الرّواية الحديثة.

وأزعم هنا أنني حاولتُ غيرَ مرّةٍ توضيح الاتجاه التقليديّ انطلاقًا من تحليل البناء الروائيّ ؛ لأنّني لاحظتُ سيادة هذا البناء في الإنتاج الرّوائيّ العربيّ، حتى أصبح تحليل بناء الرواية التّقليديّة هاجسًا من هواجسي، وحافزًا إلى التجريب عندي. وقد لجأتُ فيه إلى المنهج الشّكليّ، وجرَّبتُ صلاحيته لتحليل المتن الروائيّ العربيّ السوريّ في كتابي (بناء الرّواية العربيّة السّوريّة) ، وهأنذا أجرِّبه ثانية معتمدًا مفهوم التحليل الجزئيّ بدلًا من مفهوم المتن، فحدَّدتُ مرادي من (الرواية التقليدية العربيّة) و (المقاربة النقدية) لها، وأساليب (بناء العناصر الفنية) ، وعلاقة هذه العناصر (بالرؤيا الروائيّة السوداء) . وقد سمّيتُ كتابي (الرّواية العربيّة، البناء والرّؤيا) ؛ لأنّني قصرتُ الكتاب على فصلين، جعلتُ الأول منهما خاصًا بتحليل البناء الروائيّ، وانصرفتُ في الثاني إلى الرؤيا الروائيّة السوداء وحدها. وعلى الرغم من أنني حلّلتُ بعض جوانب الرؤيا الرومنتيّة السوداء تحليلًا جزئيًّا، فإن هذا التحليل لم يشغلني في الفصل الثّاني عن هدفي الأساسيّ، وهو تحليل البناء الروائي، بما فيه من خطاب وشخصية ومنظور وفضاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت