فهرس الكتاب
وهناك نوع آخر من المطابقة يتجسَّد في العلاقة بين الشخصية الروائيّة وخالقها الروائي. إذ انطلق بعض الروائيين العرب من أن الشخصية داخل المجتمع المتخيَّل انعكاس للتجارب المعيشة للروائيّ، وخصوصًا في الروايات التي تستعمل ضمير المتكلِّم (50) ، وكأنّ الرواية سيرة ذاتيّة لمؤلِّفها، أو هي سيرة إنسان آخر رغب الروائي في نقلها إلى القارىء. والمعروف أن الرواية التقليدية لا تقرُّ المطابقة بين الشخصية والروائي لسبب مهمّ هو أنها تعدُّ الشخصية ابتداعًا من الخيال جسَّده الروائيّ ليحقِّق بوساطته غاية فنيّة محدَّدة (51) . وليس ببعيد عنا ما فعله الروائيون ذوو العقائد السياسيّة من نقل الصفات التي يرونها صحيحة في الواقع الخارجي إلى شخصيات رواياتهم في نوع من الإسقاط يرضي نزوعهم الأيديولوجيّ. ولهذا السبب أصبحنا نلاحظ في البناء الروائي العربي نوعين من الشخصيات: شخصيات خيِّرة وأخرى شِرِّيرة، الأولى في القاع الاجتماعيّ الروائي والثانية في أعلى السُّلَّم الاجتماعيّ، بغية إقامة صراع بينها تستند إليه حركة الرواية الدرامية التي تنتهي في الغالب بانتصار العامل والفلاح والمظلوم على البرجوازي والإقطاعي والظالم. إن ثنائيّة الخيِّر والشِّرِّير، وهي ثنائيّة ضدّيّة، إحدى الثنائيّات التي نبعت من مفهوم المطابقة وربطت الروائي بالفكر وأبعدته عن رؤية الواقع الموضوعيّ للمجتمع العربي، وبالتالي أصابت البناء الفني للرواية العربية بالخلل لأنها جعلت مخيلة الروائيين مقيَّدة بالتعليمات الأيديولوجيّة، لا تملك القدرة على التحليق في الخيال لبناء عالم فني مقنع بقوانينه الداخلية وشرطه الإنسانيّ، وماتع ببنائه، ومؤثِّر بقدرته على فضح الدميم وترسيخ النبيل.
المقاربات النّقديّة للبناء الرُّوائيّ