فهرس الكتاب
4 / مهما يكن الأمر فإن البناء الفني لعدد لا يُستهان به من الروايات العربية أُصيب بالخلل نتيجة سيطرة المفهومات غير السليمة على النقَّاد والروائيين، وخصوصًا مفهوم المطابقة الذي يعني التطابق بين الواقعين الروائي والخارجي، ومحاكمة الأول استنادًا إلى الثاني. ذلك أن مفهوم المطابقة أثَّر في مخيِّلة الروائيين العرب فأبعدها عن أن تُنْشِىء عملًا تخييليًا يكتفي بقوانينه الداخلية ويحيل إلى نفسه، ودفعها إلى التشبُّث بالمرجع الخارجيّ وتفصيل العالم المتخيَّل على مقاسه. ومن ثَمَّ لم تكن المطابقة مجافاة لمفهوم الرواية التقليدية فحسب، بل كانت، قبل ذلك وبعده، خرقًا للفنّ نفسه. ففنُّ الرواية التقليديّة يؤمن بخلق الشخصية الروائيّة المتخيَّلة، ويعدُّها مكوِّنًا روائيًا مهمًا جدًا. ولكنّ العاملين في حقل علم النفس أثروا في النقاد والروائيين، فصرنا نرى الروائي نتيجة ذلك يُقدِّم ذاتًا فرديّة خاصّة أو استثنائيّة بغية الحديث عن جوهرها السيكولوجيّ الذي يتفق وما قدَّمه المحلّلون النفسانيّون. والروائي، في هذه الحال، يقيم مطابقة بين المحتوى النفسي للإنسان في الواقع الخارجي، والمحتوى نفسه للشخصية الروائية داخل المجتمع الروائي، غافلًا عن أنه يكفي داخل الرواية أن تنسجم الشخصية وطبيعتها النفسيّة والمزاجيّة وعلاقاتها الاجتماعيّة.