فهرس الكتاب
ولا أشكُّ في أن تعدُّد الرواة والمواقع مؤهَّل أكثر من الراوي الممثَّل والراوي العالم بكل شيء لتقديم بناء روائي مقنع مؤثِّر. ذلك أن الراوي في هذه الحال يختفي ويترك النصّ لعدد من الرواة، لكلِّ راو وجهة نظره في الحكاية الروائيّة. وإنني أفضِّل تسمية الشخصية في هذه الحال صوتًا، وأعتقد أن الرواية التي تنصرف إلى تعدُّد الأصوات تُعبِّر عن أن القصة، وهي الشيء الذي يُحْكَى في الرواية، ليست مطلقة بل هي نسبيّة تختلف باختلاف الراوي القائم بالقصِّ (الحكي) . وقد لاحظتُ أن مظهر التحديث في الرواية التقليدية العربية انطلق من تعدُّد الرواة. وأبرز الأمثلة هنا الثلاثية وميرامار لنجيب محفوظ ومصرع ألماس (41) لياسين رفاعية. ففي هذه الروايات التزام تامّ بمنظور الشخصية وابتعاد كامل عن تدخُّل الراوي (42) . ولكنّ تحديث الرواية التقليدية لم يقتصر على تعدُّد الرواة، بل قدَّم استعمالات أخرى للراوي القديم. ففي رواية (رحيل البحر) (43) لمحمد عز الدين التازي راو غير مشارك في الحوادث ولكنّه يُوهم القارىء بأنه مشارك (44) ، ومن ثَمَّ كان هناك ضميران: هو - نحن. وفي رواية (تلك الرائحة) (45) لصنع الله إبراهيم بطل ليس له اسم ولا عنوان على الرغم من أننا نراه راويًا منحازًا يستعمل ضمير المتكلم (46) . كما أننا في رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) (47) للطيِّب صالح نرى الراوي شخصية من شخصيات الرواية، تصف، كما يقول سامي سويدان، وتُوصف (48) . وهذه الأمثلة الروائية تدلُّ دلالة لا يرقى إليها الشّكُّ على أن الرواية التقليدية لم تتردّد في قبول التقنيات الحديثة وإنْ جهدت في توظيفها لخدمتها، وكادت الخيوط تفلت منها لصالح الرواية الجديدة في عدد من الروايات كرحيل البحر وموسم الهجرة إلى الشمال وتلك الرائحة والمجوس (49) لإبراهيم الكوني.