فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 352

وما هو أكثر أهمية من الاستباق الزمني لجوء كوليت خوري في أثناء بناء الافتتاحية الروائية إلى المقياس الكمي في تحديد الشخصيات الروائية. وهذا المقياس يعني تحديد الشخصيات من خلال المعلومات التي تبثّها الراوية حين تذكر شخصية من الشخصيات. والواضح أن هناك تدقيقًا في استعمال المقياس الكمي، لأنني لم أعثر على شخصية روائية ذكرتها الافتتاحية دون معلومات توضِّحها. فنديم صديق قديم للبطلة، حرٌّ كريم أديب حزبيّ وفيٌّ، عمره ثلاثون عامًا، سوري لاجىء في لبنان. كذلك الأمر بالنسبة إلى جبران ويولاند وفاتن وسعيد وحبيب. بل هو نفسه بالنسبة إلى البطلة التي وضّحت للقارىء اسمها وسنّها وحالها النفسية وزواجها وطلاقها واهتماماتها وعلاقاتها بالحزب والحزبيين وما إلى ذلك. وهذا كله إخلاص للمقياس الكمي الذي يدل على أن تحديد الشخصية الروائية لا يتمّ من خلال الاسم الشخصي وحده، بل يحتاج إلى قدر وافر من المعلومات يوضّح طبيعتها العامة أمام القارىء قبل الولوج في الحوادث.

أخلص من ذلك كله إلى أن افتتاحيات الروايات التي تحدَّثتُ عنها تدلّ على أن عبد الكريم ناصيف وكوليت خوري يعيان أهمية الافتتاحية الروائية، وقدرتها على أن تكون مدخلًا لما سيجري في الرواية، فضلًا عن إدراكهما مكوِّنات هذه الافتتاحية، وتوظيفهما لها في بناء محكم قادر على أن يشدّ القارىء إلى القراءة. ولعلَّ أهمية هذه الروايات تكمن في أنها دلّتنا على أن توافر الوحدة الوظيفيّة دليل على جودة افتتاحيّة الرواية وتماسكها، وأن بناء هذه الوحدة يحتاج إلى عدد وافر من الصفحات الروائية. وليس شكل الوحدة مهمًّا بعد ذلك، سواء أكان رحلة روائية أم كان انتقالًا من موقع إلى آخر. ذلك لأن الوحدة الوظيفيّة، مهما يكن شكلها، قادرة على تحديد مسار الرواية، وطبيعة السرد فيها، فضلًا عن إثارتها شغف القارىء وحفزه إلى القراءة، والتمهيد لبناء الشخصيات واختراق الأمكنة الروائيّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت