وإذا كان روح القدس معروفًا في كلام الأنبياء المتقدمين والمتأخرين أنها أمر ينزله الله على أنبيائه وصالحي عباده سواء كان ملائكة تنزل بالوحي والنصر ، أو وحيًا وتأييدًا مع الملك وبدون الملك ، وليس المراد بروح القدس أنها حياة الله القائمة به ، كما قال (المسيح) : (( عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس ) ) (195) ، ومراده مروا الناس أن يؤمنوا بالله ونبيه الذي أرسله ، وبالملك الذي أنزل عليه الوحي الذي جاء به ، فيكون ذلك أمرًا لهم بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وهذا هو الحق الذي يدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول ، فتفسير كلام المعصوم بهذا التفسير الذي يوافق سائر ألفاظ الكتب التي عندهم ويوافق القرآن والعقل أولى من تفسيره بما يخالف صريح المعقول وصحيح المنقول ، وهذا تفسير ظاهر ليس فيه تكلف ، ولا هو من التأويل الذي هو صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره ، بل هو تفسير له بما يدل ظاهره عليه باللغة المعروفة والعبارة المألوفة في خطاب المسيح وخطاب سائر الأنبياء )) (196) .
خ ـ أن ما جاء في رسائل بولس من عبارات تنسب إلى الروح القدس مايمكن أن ينسب إلى أسماء الله وصفاته وأعماله وعبادته ، وبالأخص قوله:
(( نعمة ربنا يسوع المسيح ، ومحبة الله ، وشركة الروح القدس مع جميعكم ، آمين ) ) (197) ، هذه العبارات هي التي حملت النصارى على الاعتقاد بألوهية المسيح وألوهية الروح القدس ، وهي التي فتحت الباب إلى القول بالتثليث ، ومع ذلك فإن استدلالهم بهذه العبارات باطل ومردود ، للأدلة الآتية: