الصفحة 21 من 47

فَلا تَخْشَوُا الإِعْلالَ مَا كُلُّ مَصْدَرٍ يُعَلُّ وَمَا الأَفْعَالُ إِلاَّ لِفَاعِلِ

وهاجر إليْهِم فاستقْبلوه وصحبَه أيَّما استقبال، لوِ استطاعتْ لطارت في لقائِهم الأرض والأهل والأبناء والدارُ، فلمَّا فتح الله له مكَّة أشْفقوا أن يُقيم بها ويتْركهم، فقالوا: أدركتْ رسولَ الله رغبةٌ في قريتِه ورأفةٌ بعشيرته، فطمأَنَهم وقال: (( كلاَّ إنِّي عبدُ الله ورسوله، المحْيا محْياكم والمماتُ مَماتُكم ) )، فضجُّوا يبكون ودمعُهم هطلٌ في الخدّ كالديمِ يقولون: والله، ما قُلنا الَّذي قُلنا إلا ضنًّا وشحًّا بك أن تُفارقنا، فصدَّقهم وعذرهم؛ فهو الَّذي يرعى الوداد لِمن رعى يَفديه بالرُّوح وبالمال معًا.

حالهم:

شَرَّفْتَ أَرْضًا طَالَمَا اشْتَاقَتْ لَكُمْ وَوَصَلْتَ قَلْبًا طَالَمَا حَنَّ إِلَيْكْ

ثمَّ أوصى بهم - صلى الله عليْه وسلَّم - في مرض موتِه؛ كما ثبت في الصَّحيح أنَّ أبا بكرٍ والعبَّاس - رضِي الله عنْهما - مرَّا بمجلسٍ من مَجالس الأنصار وهم يبْكون، فقالا: ما يُبكيكم؟ فقالوا: ذكرنا مجلِس رسولِ الله - صلى الله عليْه وسلَّم - منَّا.

لَوْ مَلَكْنَا فِدَاءَهُ لَبَذَلْنَا مَا مَلَكْنَا مِنْ طَارِفٍ وَتَلِيدِ

فِدَاهُ كُلُّ مَا حَمَلَتْهُ أُمٌّ وَمَنْ لَبِسَ العِمَامَةَ وَالرِّدَاءَ

فدخلوا على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأخبروه بذلك فخرَج وقد عصبَ على رأْسِه حاشية برد، فصَعِدَ المنبر ولم يصعدْه بعد ذلك، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (( أُوصيكم بالأنصار فإنَّهم كَرِشي وعيْبتي - يعني: بطانتي وخاصَّتي - وقد قضوُا الَّذي عليْهِم وبقِي الَّذي لهم، فاقبلوا من مُحْسِنهم وتَجاوزوا عن مسيئِهم ) ).

كَلِمَاتُهُ بَيْنَ الجَوَانِحِ طَعْمُهَا كَالزَّنْجَبِيلِ بِعَذْبِ مَاءٍ سَلْسَلِ

ثمَّ واعدَهم الحوْض: (( أما إنَّكم ستلقَون بعدي أثرةً، فاصبِروا حتَّى تلْقَوني على الحوْض ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت