وقال الطبريّ: ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه من حلّه. ومَن أكل البقول والعدس واختاره على خبز البر. ومن ترك أكل اللحم خوفًا من عارض شهوة النساء. وسئل بِشْر بن الحارث عن لبس الصوف، فشق عليه وتبينت الكراهة في وجهه ثم قال: لبس الخَزّ والمعَصْفَر أحب إليّ من لبس الصوف في الأمصار. وقال أبو الفرج: وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة، لا المترفعة ولا الدّون، ويتخيّرون أجودها للجمعة والعيد وللقاء الإخوان، ولم يكن تخيّر الأجود عندهم قبيحًا. وأما اللباس الذي يزري بصاحبه فإنه يتضمن إظهار الزهد وإظهار الفقر، وكأنه لسان شكوى من الله تعالى، ويوجب احتقار اللابس؛ وكل ذلك مكروه مَنْهِيّ عنه. فإن قال قائل: تجويد اللباس هَوَى النفس وقد أمِرنا بمجاهدتها، وتزيّن للخلق وقد أمِرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق. فالجواب ليس كل ما تهواه النفس يُذَمّ، وليس كل ما يُتَزَيّن به للناس يُكره، وإنما يُنْهَى عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه أو على وجه الرياء في باب الدِّين. فإن الإنسان يجب أن يُرى جميلًا. وذلك حظ للنفس لا يُلام فيه. ولهذا يسرح شعره وينظر في المرآة ويسوّي عمامته ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى داخل وظهارته الحسنة إلى خارج. وليس في شيء من هذا ما يكره ولا يُذَم. وقد روى مَكْحول عن عائشة قالت: كان نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -فقلت: يا رسول الله، وأنت تفعل هذا؟ قال: «نعم إذا خرج الرجل إلى إخوانه فلْيُهَيِّيء من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال» . وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:
«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقالُ ذَرّة من كِبر»
.فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة. قال:
«إن الله جميل يحب الجمال الكِبر بَطَر الحق وغَمْطُ الناس» [1]
(1) 40) مسلم رقم/225.