وقوله تعالى: {وَظَنَّ أَهْلُهَآ} أي أيقن. {أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ} أي على حصادها والانتفاع بها؛ {أَتَاهَآ أَمْرُنَا} أي عذابنا، أو أمرنا بهلاكها. {فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا} أي محصودة مقطوعة لا شيء فيها. وقال «حَصيدًا» ولم يؤنّث لأنه فعيل بمعنى مفعول. قال أبو عبيد: الحصيد المستأصَل. {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} أي لم تكن عامرة؛ من غَنِي إذا أقام فيهِ وعمرَه. والمغاني في اللغة: المنازل التي يعمرها الناس.
يعني: فكما يهلك هذا الزرع هكذا كذلك الدنيا. {نُفَصِّلُ الآيَاتِ} أي نبيّنُها. {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} في آيات الله.
والمعني الإجمالي للآية الكريمة:أن الله-سبحانه وتعالي- شَبَّهَ الحياة الدنيا في أنها تتزيَّنُ في عين الناظر فَتَرُوقه بزينتها وتعجبه فيميل إليها ويَهْوَاها اغترارًا منه بها، حتى إذا ظَنَّ أنه مالك لها قادر عليها سُلِبَهَا بغتةً أحوجَ ما كان إليها، وحِيلَ بينه وبينها، فشبهها بالأرض التي ينزل الغيثُ عليها فتُعْشِبُ ويَحْسُنُ نباتُها ويَرُوق منظرها للناظر، فيغتر به، ويظن أنه قادر عليها، مالك لها، فيأتيها أمر الله فتدرك نباتها الآفة بغتةً، فتصبح كأن لم تكن قبل، فيَخِيبُ ظنه، وتصبح يداه صِفْرًا منها: فكذا حال الدنيا والواثق بها سواء؛ وهذا من أبلغ التشبيه والقياس، ولما كانت الدنيا عُرْضَةً لهذه الآفات، والجنة سليمة منها قال: {والله يدعو إلى دار السلام} فسماها هنا دار السلام لسلامتها من هذه الآفات التي ذكرها في الدنيا، فعمَّ بالدعوة إليها، وخص بالهداية مَنْ يشاء، فذاك عَدْله وهذا فَضْله.
قال الله تعالي:
{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلا} [1] .
(1) 62) الآية 7 من سورة الكهف.