وهكذا إن قال: أنا أرفض التقية، ولا أقول بها ولو كانت من المذهب، فهذا يُقبل منه قوله، وسريرته إلى الله -تعالى-، حتى لو كان منافقًا في الباطن، فيقول خلاف ما في قلبه، فلنا ظاهره وعلانيته، وسره إلى الله -تعالى-.لكن لو ادعى أن لا تقية في المذهب لم يقبل منه؛ لأنها مغالطة مكشوفة، وعلى فرض أنه يجهل ذلك فإنه يوقف عليه ويبين له.
فالخلاصة: أنه ينظر في حال صاحب المذهب، فإن أظهر موافقة الحق ورد الباطل وبرئ منه ولو كان في كتبهم ومذهبهم، فهذا خير - والحمد لله -، وإن أظهر ما يدل على المراوغة والمداورة حكمنا عليه بما يقتضيه حاله، على ما سيأتي ذكره.
ولذلك كان العلماء يفرقون بين المقالة وبين صاحبها، فليس الحكم على المقالة حكمًا- بالضرورة - على المنسوبين إليها، لوجوه:
( الأول ) : أنه قد يوجد في كتب القوم ومصنفاتهم أقوال مهجورة، أو متناقضة، أو ضعيفة حسب قواعدهم، ومن المعلوم في سائر المذاهب أنه يوجد في المسألة الواحدة أقوال عديدة، كما هو موجود عند الشيعة في مسألة تحريف القرآن.فعندهم قول بالتحريف في كتبهم المعتمدة، ولبعضهم في ذلك مصنف خاص، وهذا كفر لا خلاف فيه، وعندهم قول آخر في كتبهم المعتمدة بنفي التحريف وإبطاله، واعتقاد أن المصحف هو ما بين الدفتين، حتى إن في بعضها تكفير من يقول بالتحريف.وقد يرجح بعضهم هذا القول أو ذاك، فالحكم على الطائفة أو الفرد المعين مبني على معرفة كونهم يقولون بهذا أو لا يقولون.