السؤال: ما هو حكم تطليق القاضي غير المسلم؟
قبل الجواب على هذا السؤال أجد من المفيد أن أشرح مسألتين اثنتين:
الأولى: أنّ كلّ دولة في العالم اليوم تطبّق قوانينها على مواطنيها، وعلى المقيمين على أرضها، في جميع المسائل المدنية وفي العقوبات. وهكذا كان الأمر في ظلّ الدولة الإسلامية على اختلاف عهودها حتّى الدولة العثمانية. هذا هو العرف العام في التعامل القانوني بين الدول.
الثانية: أنّ قوانين الأحوال الشخصية تعتبر في أكثر دول العالم المعاصر كسائر القوانين من حيث إلزاميّتها لجميع المواطنين. وبالتالي فإنّ كلّ دولة تطبّق قوانين أحوالها الشخصية على أرضها الوطنية، بغضّ النظر عن ديانة هؤلاء المواطنين. أمّا المقيمون، وفي مجال الأحوال الشخصية فقط فإنّهم يخضعون أحيانًا لقوانين الأحوال الشخصية في البلاد التي يقيمون فيها. وأحيانًا لقوانين الأحوال الشخصية العائدة لبلادهم. وهذا الموضوع يعتبر اليوم ساحة هامّة لتنازع القوانين بين الدول.
وفي هذا المجال فإنّ المسلم المقيم مثلًا في أوروبة يمكن أن يخضع لقانون البلد الذي يقيم فيه، ويمكن أن يخضع لقانونه الشخصي في بلده الأصلي، إذا كان قانون البلد الذي يقيم فيه يسمح بذلك، وقد يكون قانون بلده الأصلي منسجمًا مع الأحكام الشرعية أو معارضًا لها. فالقوانين الأوروبية عندما يسمح بعضها بتطبيق القانون الشخصي للمقيم على أرضها، إنّما تعني القانون المعمول به اليوم في الدولة التي يحمل جنسيّتها، سواء كان موافقًا أو مخالفًا لأحكام الشريعة الإسلامية. وبالتالي فإنّ السؤال المطروح على المسلمين في أوروبة عن حكم تطليق القاضي غير المسلم، يمكن أن يطرح في بعض بلاد المسلمين ولو بنسبة أقلّ بكثير، وبشكل آخر فيقال: ما حكم تطليق القاضي المسلم وفقًا لقانون يخالف الشريعة الإسلامية؟ علمًا بأنّه يمكن أن يوجد في بعض بلادنا الإسلامية قاض غير مسلم وهو يطلّق وفق القانون السائد المخالف للأحكام الشرعية فهذا يشبه تمامًا القاضي غير المسلم الذي يطلّق في أوروبة وفق القوانين الأوروبية. كما أنّه يمكن أن يوجد في البلاد الأوروبية قاض مسلم يطبّق القوانين الأوروبية ويطلّق وفق أحكامها.
لقد ذكرنا هذه الاحتمالات للتنبيه إلى أهمّية السؤال المطروح، وامتداد هذه المشكلة إلى بعض بلاد المسلمين. لكنّنا سنحصر هذا البحث في حكم تطليق القاضي وفق القوانين الأوروبية، باعتبار أنّ كونه مسلمًا أو غير مسلم ليس له تأثير في هذا الحكم.
الحالات المتنوّعة في هذا السؤال:
الحالة الأولى: أن يكون الزوجان من رعايا دولة إسلامية، وقد تمّ عقد زواجهما في دولة إسلامية، ولا يؤثّر في ذلك أن تكون الزوجة كتابية، وهما يقيمان في إحدى الدول الأوروبية، ووقع بينهما خلاف يمكن أن يؤدّي إلى الطلاق. في هذه الحالة: