••أمّا إذا كان عقد الزواج قد تمّ وفق قانون الدولة الأوروبية، والخلاف بين الزوجين حصل في أرضها، فلا بدّ أن تحكم فيه محاكمها وفق قوانينها، فنكون أيضًا أمام حكم قضائي أوروبي يتناول إنسانًا مسلمًا.
الحالة الثالثة: أن يكون الزوجان مسلمين من جنسية دولة أوروبية، فلا بدّ أن يعقدا زواجهما وفق قانون هذه الدولة حتّى يصبح رسميًا معترفًا به، وإذا وقع الخلاف بينهما فلا بدّ أن يرجعا إلى محاكم هذه الدولة لتطبّق عليهما قانونها. ومن الطبيعي أن تصدر أحكامها بما يخالف الأحكام الشرعية في كثير من الأحوال. فما هو الحكم الشرعي في مثل هذه الأحكام القضائية الأوروبية في الحالات الثلاثة المذكورة آنفًا؟
نصائح للمسلمين والمسلمات في أوروبة:
بناءً على هذا الواقع نقدّم لإخواننا المسلمين وأخواتنا المسلمات النصائح التالية:
أولًا: يجب على المسلم والمسلمة أن يعقدا زواجهما وفق الأحكام الشرعية ما أمكن ذلك. لأنّه وإن كان عقد الزواج وفق القوانين الأوروبية يعتبر جائزًا من حيث أنّه عقد، إذا جرى ضمن الضوابط الشرعية، إلاّ أنّ الزوجين بعد ذلك يخضعان إلى هذه القوانين في كلّ ما يتعلّق بمفاعيل الزواج ومنها الطلاق والإرث، ولا يجوز للمسلم أن يتحاكم إلى غير شرع الله برضاه. وبناءً على ذلك نقول: إنّه من واجب المسلم غير الأوروبي أن يعقد زواجه في دولته طالما كان ذلك ممكنًا، وإذا كان قانون دولته مستمدًّا من الأحكام الشرعية ولو كانت فيه بعض المخالفات. قال تعالى: {ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالًا بعيدًا} [سورة النساء الآية 60] . ذكر الحافظ بن كثير وغيره أنّ الآية نزلت في خصومة وقعت بين يهودي ورجل من الأنصار منافق يزعم الإيمان، فقال له اليهودي: تعال نتحاكم إلى محمد. فقال له المنافق: لا بل تعال نتحاكم إلى كعب بن الأشرف الذي سمّاه الله بالطاغوت. [أنظر صفوة التفاسير 1/ 285] .
ورغم ذلك فإنّه إذا عقد المسلم غير الأوروبي زواجه أمام السلطات الأوروبية المدنية، وأصبح هذا الزواج خاضعًا لتلك القوانين غير الشرعية، فإنّنا نفترض أنّه لم يفعل ذلك بدافع النفاق، وإنّما فعله لضرورة أو لعذر. ولذلك نجد من الواجب أن نبيّن له الحكم الشرعي فيما يجري بعد الزواج من خلافات ربّما تؤدّي إلى طلاق وفق هذه القوانين الأوروبية.
ثانيًا: أمّا المسلم والمسلمة من أصحاب الجنسية الأوروبية سواء كانوا من أهل البلاد الأصليين فأسلموا، أو من المسلمين الذين تجنّسوا بجنسية أوروبية، فليس أمامهم أن يعقدوا زواجهم إلاّ مدنيًا حسب قوانين بلادهم. (قد يجري عقد زواج شرعي بعد العقد المدني أو قبله، لكنّ هذا العقد الشرعي ليس له أيّ مفعول أمام القضاء الأوروبي بالنسبة لمفاعيل الزواج، وإن كان يعطي الزوجين اطمئنانًا أكثر إلى مشروعية المعاشرة الزوجية) . وبالتالي فهم ملزمون بالخضوع لهذه القوانين في كلّ ما يتعلّق بأحوالهم الشخصية ومنها الطلاق.
وأحبّ أن أشير هنا إلى أنّه عندما يتزوّج مسلم ومسلمة وفق القوانين الأوروبية، وهما ملزمان بذلك لأنّهما من جنسية أوروبية فلا إثم عليهما إن شاء الله، لأنّه لا يمكن أن يطلب منهما عدم الزواج.