فهرس الكتاب
إن الذي يحاول من الدارسين والباحثين أن يحلّل الوسط القبلي، عن طريق قراءة الشعر، وقراءة الطلليّات المعلقاتية بعامة، والطللية المرقسيَّة بخاصة؛ يلاحظ، إذا توحّدت ملاحظة مع ملاحظتنا، أن الأحياز التي كانت تشكل هذا الذي يسميه الانتروبولوجيون وعلماء الاجتماع"الوسط": تتسم بالجمالية مما يجعلنا، ونحن نُعْنَى بمُدارَسَةِ هذا الحيز الجغرافي وتحليله ومحاولة فهمه -خصوصًا- أثناء ذلك، نذهب إلى أن هذه الجمالية الحادة نتحسسها لدى عامة المعلقاتيين في تعاملهم مع الحيز ونظرتهم إليه.
وعلى الرغم من أن هذه الأحياز التي تصادفنا في قراءة هذه الطلليات هي أمكنة جغرافية، كما ثبت ذلك في معاجم البلدان العربية، وهي سيرة كانت ذهبت بنا إلى حقل الانتروبولوجيا، في وجه من هذه الدراسة، ما دامت هذه الأحياز أمكنةً، ومِياهًا، ووديانًا، ومراعي، وجبالًا، وروابي، وقفارًا مُقْوِيَةً. وما دامت هذه الأمكنة بجذاميرها تشكل وسطًا تقليديًا تجري فيه الحياة على أبسط ما تكون من البدائية، وتجري فيه العلاقات بين الناس على أساس رابطة القربى (نظام العشيرة) ، وهلم جرا...
فإن مُدارَسَتِها، كما نرى، تندرج ضمن حقل الأنتروبولوجيا.
ولكن، هل يمكن تحديدُ منزلِ حبيبة امرئ القيس، أو أنثاه، من خلال بعض الإشارات الجغرافية المقتضبة طورًا، والغامضة طورًا، والمُورَدَة تحت الشك طورًا آخر ( ) ؟ إن المعلومات التي احتفظ لنا بها معجم ياقوت تميل إلى أن كلًا من"الدَّخول، وحومل، وتوضِحَ، والمقراة، مواضع بين إِمّرة، وأَسْوَد العين" ( ) . لكن ما المعرِّفُ به، بأوضح من المعَّرف، وإذًا، فأين تقع إِمّرة هذه، وأسود العين هذا؟
يذكر ياقوت الحموي أن"امّرة الحمى لغنى وأسد، وهي أدنى حمى ضربة أحماه عثمان لإبل الصدقة. وهو اليوم (بالقياس إلى يوم ياقوت) لعامر بن صعصعة" ( ) . بينما يعدّ أسود العين عبارة عن"جبل بنجد يشرف على طريق البصرة إلى مكة" ( ) .