الصفحة 113 من 461

إننا نعتقد أنّ الفضاء أوسع من أن يشمل الحيز شمولًا تفصيليًا، وأشسع دلالة من أن يحتوي هذه المساحة الضيقة، أو المحدودة الأطراف، التي نودّ إطلاقها على مكان جغرافيّ ما، أو على ما له صلة بالمكان الجغرافيّ، على نحو أو على آخر. فالفضاء كلُّ هذا الفراغ الشاسع الذي يحيط بنا من الكون الخارجيّ. وهو أيضًا كلّ هذا الفراغ الهائل الذي يمتدّ من حولنا مع امتداد مدى أبصارنا. أمّا أن نطلق الفضاء على مكان محدود بالمساحة والمسافة تركض فيه أحداث رواية، أو تضطرب حَوالَه حركةٌ حيزيّة حيّة في قصيدة شعرية؛ فإننا لا نرى إتيان ذلك إلاّ من الحرمان، وقصور الذوق اللغويّ.

إن الفضاء، في تصوّرنا، نحن على الأقلّ لمدلول هذا اللفظ، أوسع من مدلول لفظ الحيز الذي نتصرف فيه، نحن، تبعًا لورود أطواره، وتعرض أحواله في النصّ الأدبيّ شعرًا كان أم سردًا. ذلك بأننا نعدُّ كلّ جسم ناتئٍ، كأن يكون شجرة، أو نبتة، أو كرسيًا، أو سيارة، أو حيوانًا متحركًا، أو إنسانًا ماشيًا، أو هيئة للحركة في أيّ من مظاهرها، أو نهرًا جاريًا، أو واديًا متخدّدًا، أو ربوة عالية، أو كثيبًا باديًا، أو نخلة باسقة، أو خيوط مطرٍ هاتنة، أو حبّات ثلجٍ هاطلة، أو طريقًا مستقيمًا أو ملتويًا: حيزًا.

ثم لا نزال نتصرف في ذلك ونتوسع حتى نُنْشِئَ من النخلة العَيْدَانَةِ المَتَرَهْيئَةِ حيزًا، ومن امتداد القامة واهتزاز هيئتها حيزًا، ومن الفَيْءِ الذي تحدثه الشجرة الوارفة الظّلال، تحت أشعة الشمس المتوهجة، حيزًا، ومن تلاطم أمواج البحر وتصاخبها حيزًا، ومن كلّ شيء يمكن أن يتحرك، فيُمَسَّ، أو يُلْمَسَ، حيزًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت