الصفحة 112 من 461

لعلّ من عجيب المفارقات، ولطيف المباعدات، أن يغتدي الخراب اليباب مظنّةً للجمال البديع، ومقصدةً لاستعادة الذكريات العذاب. فالرسم الدارس من حيث هو ديارٌ بالية، وبنايات متهدّمة: لا جمال فيه، ولا إلهام منه، ولا سعادة تجثم حَوالَه. بيد أنّ الذي جعل من جَلاله جمالًا، ومن شقائه سعادة، ومن وحشته أُلفَةً، ومن بشاعته نُضْرَةً؛ هو تلكم الذكريات الجميلة التي كان يطويها في نفسه، وتلك العلاقات العاطفية الكريمة العارمة، وتلكم الأزمنة التي قضّاها أناسٌ فيها حتّى ضجّت بهم، وغصّت بوجودهم: ما بين ذاهبٍ وآتٍ، وخارج وداخل، وسارٍ وقائمٍ، ويقظان ونائمٍ، ومفارق ومُوامقٍ، ومُغاضِب ومعانق... حياة على الشظف رغيدة، وعلى الاضطراب وديعة، وعلى الشقّاء سعيدة.... الحبّ والشعر، والشعر والحب، على الرغم من كلّ المهدّدات التي كانت تمثّل في الإغارات المشنونة، والحروب المستعرة...

أو لم يكن فيما توقفنا لديه من هذه المنازل القائمة، والمغاني الممرعة، والقيعان المخصبة، والعرصات المخضوضرة، والسّمرات الباسقة، والرسوم الدارسة الموقورة أطلالها بالأسرار والألغاز، والمشحونة رواكدها برسيس الذكريات العذاب: ما يجعل هذه الأخبار طافحًا جمالها...؟

ولمّا كنّا نعلّق شأنًا مهمًا على مدارسة الحيز وتحليل أنواعه في هذه المعلّقات، فإنّ ما عرضنا له في نهاية هذه المقالة يحملنا على عقد مقالة بحذافيرها لجمالية الحيز في المعلّقات، من حيث هو، وليس من حيث هو طلل، وهو الأمر الذي حاولنا أن نعوج عليه معاجًا عجلًا في نهاية هذه المقالة. حقًا، أنّ الطلل ينضوي تحت مفهوم الحيز، بامتياز، ولكنّ للطلل شأنًا آخر ينصرف إلى سير أخراة اجتهدنا في أن نعرض له في القسم الأكبر من هذه المقالة.

3-جماليّة الحيز في المعلّقات

لقد خالفنا جماعة النقاد العرب المعاصرين في أنهم يصطنعون"الفضاء"، وفي أننا نصطنع"الحيز".

فلماذا إذًا الحيز، وليس الفضاء؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت