الصفحة 111 من 461

لو لم يتحدث النصّ عن القيعان بعد العرصات لحقّ لنا أن نتأوّل هذا الحيز على أنه وَعْرٌ حَزْنٌ، وعلى أنه شاهقٌ عالٍ، ولكنه حين أعقبه بـ"القيعان"أسْتَبان أنّ هذه العرصات المرقسيّة كانت تَخْضَوضِرُ فتمتدّ ظلالها في كل اتجاه، ولعلها كانت تتربّع في قيعةٍ من الأرض حيث إنها مظنونةٌ باحتقان الماء.

ولا نعتقد، لمن سيعترض علينا، بأنّ تلك القيعان كانت مجدبة، وأن تلك الآرام كانت تتواثب وتتلاعب في مجرّد الرمال القاحلة. كما لاينبغي أن ينصرف الوهم إلى أنّ الحيز الشعري الجميل الذي كان يحنّ إليه امرؤ القيس، ويتلذّذ بذكراه، كان مجرد قفر عجيب. وإلاّ فبم كانت تلك الآرام تقتات؟ وأين كانت من شجر الأراك؟ ثم أين كانت تختبئ لتتّقي عدوان القنّاصين المتربّصين بها؟ ثم من سيستطيع أن يثبت لنا بأن حيز امرئ القيس المتحدّث عنه هنا كان مجرد رمال جافّة، وحجارة صلدة، ومناظر موحشة؟ وما القول في العرصات، والسّمرات، والآرام، والمنزل...؟

د. سَمُرات الحيّ:

قد تكون هذه السَمُرات مجرد بيان للعرصات المتقدمة الذكر، وذلك من الوجهة الوصفية الخالصة، لكن من الوجهة الدلالية تعني، أو قد تعني أنّ الشأن منصرف، هنا، وفعلًا، إلى طبيعة مخضرّة عذراء؛ وأنّ الاخضرار لم يَكُ، ربما، وقفًا على ما ابتعد عن الحيّ وانتشر حَوَاله من فضاء يبدو كأنه مريع؛ وإنما نلفيه أيضًا يوفر، ربما، في هذا الحيّ الذي تباسَقَتْ سَمُراته المخضرّة فتَرَهْيَأت أغصانها المورقة فامتدّت أفقيًا وعموديًا: فنشأ عنها شيء من الظلّ والنّعمة والرّغد...

ونلاحظ أنّ خضرة العرصَات كأنها وقفت على الآرام وما كان يشبهها من حيوانات وحشية كالذئاب وسوائها؛ بينما خضرةُ السَّمُرات وقفَتْ هنا على الإنسان يتظلّل بظلّها، ويتنسّم بنسيم أغصانها المصطفقة، وفروعها المتراصة. فعلاقة الطبيعة انصرفت في الحال الأولى إلى مجرد حيوان، بينما انصرفت في الحال الأخراة إلى الإنسان.

هـ- رسْم دارس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت