الصفحة 110 من 461

يصادفنا في هذه الطللية العجيبة ضرب من الحيز يتّسم بجملة من المظاهر المفضية إلى تشكيل ملامح من الجمال تتضافر بجذمورها لتبدع لوحة طبيعة عبقرية، وتتمثّل خصوصًا في:

أ- بعر الآرام:

إنّا لنعلم أن بَعَر الآرام، وتواثب الأرانب، وغناء الطير، ونحوها: بمقدار ما تدلّ على وحشيّة المكان وإقفاره، تدلّ على خصبه وإمْرَاعِهِ، وتواجد الخضرة فيه، في الوقت ذاته. سواء علينا أكانت تلك الخضرة ناشئة عن مياه المطر، أم عن مياه الغدارن والعيون؛ فإنها في الحالين الاثنتين تدلّ على الخصب والإمراع. إذ لا ينبغي أن يكون بعرٌ إلا بارتعاء؛ ولا ارتعاءٌ إلاّ لعشب أخضر.

إنّا؛ حقًا، لو قرأنا"بعر الآرام"، تقليديًّا، لما انتهينا إلى شيء مما زعمناه، ولكانت قراءتُنا إيّاه على مقتضى السابقين؛ وإذًا لما كان لقراءتنا وجوبٌ ولا غناءٌ. ولكننا نحن سخّرنا في هذه القراءة التأويليّة ما نطلق عليه"الحيز الخلفيّ"الذي أفادنا بالتسلسل الذهني بهذا الذي استنتجناه من قراءة هذه العبارة. إنّ بعر الآرام، فعلًا، وحقًّا، وانطلاقًا من سياق النص، يسبّب شبكة من المعطيات الدلالية التي تفضي حقًا إلى بعض ما اهتدينا إليه.

ب- العَرَصات:

تعني العرصات في اللغة المعجميّة الملاعب والمغاني التي تحدودق بالمنازل، وتحيط بالدور. فهي من هذه الوجهة تحيل على حيز مرتبط بعمران كائن أو كان. فكأنّ العرصات عبارة عن مساحة مخضرة ممتدّة يسرح مع خضرتها الطرف، وتمتدّ مع امتدادها العين المبهورة بعبقرية الطبيعة ورونقها وأناقتها. فهذه الآرام التي يُتَحدَثُ عنها تمثل مع هذه العرصات وسطًا طبيعيًا عذريًا ، أو متوحشًا غجريًا، لمَّا تُهذّبه مهذّبات الحضارة بالتضيع والتغيير. فهناك إذن الخضرة؛ وهناك إذًا ما يعيش في أحضان هذه الخضرة (الآرام) ؛ وهناك من يحسُّ بهذه الخضرة العرصاتية، أو يمتزج بها، أو يندمج فيها بشعور أو بدون شعور.

ج- وقيعانها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت