الصفحة 109 من 461

وكانت هذه الألوان لا تلبث، هي أيضًا، أن تنتسخ وتنتسج تبعًا لما يعتورها من شعاع وفَيْءٍ، وضياء وظلّ؛ فإذا بعضُها مصفرٌّ فاقع يشّع من بعيد فيبهر البصر، ويسحر الجنان؛ وإذا بعضها داكن خامد، كأنه سكون نائم، أو منظر عائم؛ لأنه وقع تحت ظلّ الشمس؛ ولأنّ سطحه كان متعاليًا بعضه على بعض بحكم أنّ السطح لا يكون في كلّ الأطوار ممتدًّا لا عوج فيه ولا أمت، ولا ارتفاع ولا انخفاض؛ وإنما تراه في كثير من أطواره السطحية مرتفعًا بعضه، ومنخفضًا بعضه، ومنبسطًا بعضه الآخر، فإذا هو يشكّل أضربًا من الحيز الداكن الخامد وهو الواقع تحت سلطان الظلّ؛ وأضربًا أخراةً من الحيز المصفّر المشعّ، وهو الواقع تحت سلطان الشمس المتوّهجة.

وكان هذا الحيز الملحميّ لا يلبث أن ينفلت من هذين الشكلين ليجّسد شكلًا ثالثًا هو الشكل المغبرّ المتكوّن من حبّات الرمال المتطايرة حين تذروها السوافي فتتناثر فيما حوالها من الفضاء شظايا. وهو شكلٌ حيزيٌّ بمقدار ما هو مذهلٌ مريع، بمقدار ماهو غجريّ وحشيّ، يجسّد الطبيعة في عذريتها، وعبقريّتها وتغيّرها، وانتساخ مظهرها تبعًا لما يعتور أطوارها، ويخامر أحوالها.

ومن الواضح أنَّ هذا الحيز -الثالث- متحركٌ لا ثابت، ومتناثر لا ساكن؛ وهو الذي كان يفضي بسطح الرسوم المرقسيّة السحرية إلى أن تظلّ باقيّةً غير فانيةٍ، وقائمة غير ذاهبة؛ وكلّ أولئك أمور حدثت بفعل انتساج الرمال التي إنّما تناسجت، هي أيضًا، بفعل هبوب السوافي عليها تارة من تلقاء الجنوب، وتارة أخراةً من تلقاء الشمال؛ في حركة كأنها دائبة، ونشاط كأنه أزليّ. وكأنّ كلّ أولئك إنما كان لأجل حفظ الحيز الأصليّ الثابت من أن يَبْلى ويَدْرُسْ.

فهل يمكن أن يوجد أسحر وأبهر من هذا الحيز الثلاثي الأشكال، المركّب الألوان، المتغيّر الأطوار، من حال إلى حال؟

3-الحيّز الأخضر وملحمة الجمال العذريّ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت