الصفحة 98 من 461

فكانت العلاقة في هذا الوسط العجيب تقوم على التفاضل بين الناس: الأعلى، فالأوسط، فالأدنى من وِجْهَةٍ؛ والرجل، ثم المرأة، ثم الطفل، من وجهة أخراة. وعلى أنه يمكن اختصار هذه العلاقة القائمة على الغَبْن في وسط القبيلة، وداخل الحي، بين صنفين اثنين في جهة، وهما: السادة والعبيد، وصنفين اثنين آخرين في جهة أخراةٍ، هما: الرجال والنساء.

ثم، أنّ هذا التجمع السكانيَّ القائم على رابطة القرابة أساسًا، بحيث لا تُلْفي بين سكان الحيّ، في الغالب، ساكنًا واحدًا غير مُنْتَمٍ إلى العشيرة: كان يجعل هذه العشيرة في مأمن من هجوم الحيوانات المفترسة.

ونحن نحسب أثناء ذلك أن سكان تلك الأحياء البدوية لم يكونوا يصطنعون الشموع ولا القناديل الزيتية في الإنارة أثناء الليل، وهي التي كانت لا تُسْرَج إلاّ في المعابد، ولدى السَّراة في الحواضر العربية القليلة؛ فكانوا يُوقِدون النارَ في ساحة الحي صدْرًا من الليل قبل أن يُخْلِدوا إلى الدَّعَةِ والكَرى، والآية على بعض ذلك قول امرئ القيس:

تُضيءُ الظلامَ بالعِشاءِ كأنها

منارةُ مُمْسَى راهبٍ مُتَبَتِّلِ

فهذه المرأة لجمال وجهها، ونضارة مُحيّاها، وفرْطِ بياضها وصفائها اسطاعَتْ أن تُضيءَ ديجور هذا الليل حتى كأنها مسرجة راهبٍ منقطع في ديره عِشاءً؛ وقوله أيضًا:

يضيء سَناهُ أو مَصابيحُ راهبٍ

أمالَ السَّليطَ بالذُّبَال المُفَتَّلِ

فالملك الضِلّيلُ، كما نَرى، نلفيه يُلحّ في بعض شعره على أن الإنارة بالليل كانت وقفًا على الأحبار والرهبان في معابدهم، ولم تك شائعة الارتفاق بين عامة الناس في الأحياء المنقطعة التي هذا الحي الذي يتحدث عنه امرؤ القيس يجب أن يكون أحدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت