فهرس الكتاب
بقي أن يُقال: لعل الكثير من هؤلاء الزوار قصدوا المسجد النبوي الذي ورد الإذن في شد الرحل إليه، لمزيته و مضاعفة الصلاة فيه.
و الجواب: أن هذا القصد مباح، و لعله مراد من ذكر الزيارة من العلماء الأجلاء في مؤلفاتهم، حيث ذكروا أنه يبدأ بالمسجد فيصلي فيه، ثم يزور القبور و البقيع والشهداء، الزيارة الشرعية المدونة أفي دواوين أهل السنة، و لكن مع ذلك فإن المقام بمكة أفضل و أولى لمن هذا قصده، فإنها خير بقاع الأرض، و الصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة صلاة بمسجد المدينة، و كما في قصة الذي نذر أن يصلي في المسجد الأقصى، فقال له النبي صلى الله عليه و سلم:"صلّ هاهنا". و ذلك حرصًا منه على مضاعفة العمل.
ثم إنَّا لا نمنع السفر إلى المدينة النبوية أو غيرها من البلاد، لا لقصد بقعة معينة لاعتقاد مزية فيها، و إنما لقصد السير في الأرض للاعتبار، و التذكر لأحوال الأمم و الأجيال الماضية، فإن ذلك مما يدخل في أمر الله تعالى في قوله: (( قل سيروا في الأرض ) ) (النحل:69) . (( أفلم يسيروا في الأرض ) ) (محمد:10) .
و هكذا السفر إلى المدينة أو غيرها أيضًا للتعلم أو التعليم، فذلك مما يجب عينًا، أو كفاية على الأمة، و لا يدخل تحت النهي عن شد الرحال الذي يقصد منه السفر لتعظيم بقعة بعينها، والاعتقاد فيها الذي يؤول إلى تعظيمها بما لا يحل شرعًا.
و أخيرًا: ننصح إخوتنا المسلمين عن تلك الأفعال، و الاعتقادات الخاطئة التي يقعون فيها عن تقليد أو عن حسن ظن، مع أنها تقدح في العقيدة، و تنافي أصل التوحيد أو كماله، و نهيب بهم أن يتعلموا ما يجب عليهم من حق الله، و عبادته وحده، و سيجدون أعذب مورد ينهلون منه عن قناعة و رضى، ألا و هو كتاب الله و سنة الرسول صلى الله عليه و سلم، الحريص على نجاة أمته، حشرنا الله في زمرته، و جعلنا من أتباع ملته، و الله أعلم، و صلى الله على محمد و آله و صحبه و سلم.