فهرس الكتاب
البصائر، فتناقلوها و ضمنوها مؤلفاتهم، و تداولتها الأيدي، و انتشرت و اشتهرت على الألسن، حتى وقعت منهم موقعًا، و تمكنت في النفوس، و توارثها الأجيال من غير نكير، و اعتقدوها الحق و سواها باطل و ضلال.
و من أشهر و أقدم تلك المؤلفات كتاب:"شفاء السقام في زيارة خير الأنام"للتقي السبكي الذي اشتهر و أقبل عليه الجم الغفير قراءة و عملًا و تطبيقًا، و لم يعلموا أن أحاديثه و أدلته كلها واهية موضوعة، لا تصلح مستندًا، كما بيَّن ذلك الحافظ ابن عبد الهادي في رده الذي سماه:"الصارم المنكي في الرد على السبكي".
و من المؤلفات الباطلة أيضًا في هذا الباب كتاب:"الدر المنظم في زيارة القبر المعظم"لابن حجر المكي، حيث ذكر فيه من الحكايات، و المنامات و الأباطيل ما تمجه الأسماع، و تنفر منه الطباع، و مع ذلك تجد لها آذانًا صاغية، تتقبلها و تروجها و تحبذ العمل بها، فيعظم الشر و الضرر.
و لقد تصدى للدفاع عن هذه الأباطيل بعض المتأخرين الزائفين، أمثال النبهاني، و الحداد، و الزهاوي، و دحلان، و ابن جرجيس، و أضرابهم الذين كتبوا و تكلموا بكل جراءة، داعين إلى هذه الزيارة و الأفعال الشركية معها، و متهمين كل من نهى عنها ببغض الرسول صلى الله عليه و سلم و تنقصه .. و ما إلى ذلك.
و كأن محبة الرسول صلى الله عليه و سلم إنما تتجلَّى بدعائه و التوسل بذاته، و الخضوع و الذل أمام قبره الشريف، و شبه ذلك مما هو خالص حق الله تعالى، و مما قد نهى عنه نبينا عليه الصلاة و السلام، و عما هو دونه، ككونه خير البرية، أو تسميته سيدًا، و قول: ما شاء الله و شئت.
و لم يعلم هؤلاء الأغبياء أن أشد الناس له محبة و تعظيمًا هم صحابته رضي الله عنهم، و لم يكونوا يعاملونه بشيء من ذلك، حتى كانوا لا يقومون له إذا أقبل، لعلمهم بكراهته لذلك.
و لقد أخبر صلى الله عليه و سلم:"أنه لا يؤمن أحد حتى يكون نبيه أحب إليه من ولده و والده، و نفسه، و ماله، و الناس أجمعين"، و لكن هذه المحبة تتمثل في طاعته و اتباعه، و تقليده في أفعاله، و التقيد بسنته، و التمسك بها، و العض عليها بالنواجذ في كل وقت و حال، لا في الغلو فيه و إطرائه الذي قد نهى عنه، و قال:"إنما أنا عبد فقولوا: عبدالله و رسوله". و قال لقوم دعوه بالسيادة و الفضل:"قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، أنا محمد عبدالله و رسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله"رواه النسائي.