الصفحة 65 من 95

* و منها حديث:"من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي". و معلوم أن زائره في الحياة يحظى بفضيلة الصحبة، و يتلقى عنه العلم و الأحكام مباشرة، مما لا يحصل لزائر قبره صلى الله عليه و سلم فبطل ظاهر الحديث أيضًا.

*و منها ما روي بلفظ:"من زار قبري وجبت له شفاعتي".

مع أن شفاعته صلى الله عليه و سلم إنَّما ينالها أهل التوحيد الخالص، كما ثبت ذلك بالسنة الصحيحة.

و ليس منه تعظيم القبر بشد الرحل إليه، و جعله مقصدًا ومطلبًا؛ بل يكون شركًا خفيًا أو جليًا، لما يصحبه من التعظيم الذي يظهر أثره في التذلل و الخضوع، و هذا خالص حق الله تعالى، و هذا ما يحصل بكثرة من جُل أولئك الزوار، الذين يقفون أمام القبور بالمسجد و بالشهداء و بالبقيع، فتراهم هناك مهطعين مقنعي رؤوسهم، تغاشهم الذلة و الهيبة، و قد وضعوا الأيدي على الصدور أو رفعوها داعين مبتهلين بخشوع و هيبة، و استكانة لا يحصل بعضها في صلاتهم بين يدي ربهم تعالى.

و قد يطيل أحدهم القيام، و ربما غاب عن نفسه فلا يحس بضرب و لا تأنيب، و أكثرهم يتوجهون إلى ناحية القبر حالة الجلوس أو الدعاء أو قراءة الأوراد، مفضلين له على القبلة و هم في تلك الحال، متصفون بالسكينة و الخشوع و الإخبات، و الكثير منهم أو من الملقنين لهم يتسترون خوفًا من إنكار البعض عليهم، فعند انفرادهم تظهر مخبآت الصدور، و قد يغلب الكثير منهم بعض ما يجدون، فيبوح بما في ضميره و لو رآه، أو سمعه الجمهور، و كثيرًا ما تبدر منهم كلمات تنافي أصل التوحيد أو كماله: كوصف الرسول صلى الله عليه و سلم أو بعض أهل بيته بما لا يستحقه إلا الله من سعة الملك، و التصرف في الكون، و الإعطاء و المنع، و الضر و النفع .. إلخ. و أقل ذلك ملك الشفاعة بدون إذن الله و رضاه.

و بموجب هذا الاعتقاد يدعونه صلى الله عليه و سلم و يسألونه ما لا يملكه إلا الله، و يعتمدون عليه، و تصدر منهم أفعال كهذه الأقوال، تدل على التعظيم و اعتقاد التأثير، فتراهم يبتهلون غفلة الحراس، أو يدفعون لهم نقودا ليتمسحوا بالباب و الأستار و الحيطان و المنبر و نحوها، و كثيرًا ما يطوفون بالحجرة كالطواف بالبيت العتيق، و أضعاف هذه الأفعال و الأقوال التي لا تصدر إلا عن اعتقاد في تلك الستور و الحيطان.

و قد دفعهم إلى هذه الزيارات و ما ينتج عنها ما يتناقل بينهم كثيرًا من حكايات واهية، و أخبار ضعيفة، أو مكذوبة، و منامات أشبه بأضغاث الأحلام، و لكن راجت تلك الأمور على السذج و ضعفاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت