فهرس الكتاب
و هذا و نحوه أثر هذه الأعمال التي تقرب بها إلى ربه في حجه و عمرته، و أعماله الصالحة، و ذلك لأنها تجره إلى الطاعة، و تبعده عن المعصية، و تحبب إليه أن يتوب إلى ربه توبة نصوحا، فيأتي بشروطها التي هي: الإقلاع عن الذنوب، و الندم على ما مضى منها، و العزم على أن لا يعود إلى معصية، فالذي يعمل هذه المناسك و العبادات و هو مقيم على التهاون بالصلاة أو فعل شيء من المنكرات، أو تعاطي المسكرات، أو أكل الربا أو غيره من المعاملات المحرمة، فهذا لم يتأثَّر بما تقرب له من هذه المناسك، في هذه المشاعر المقدسة.
و كذا من يفتخر بالذنوب و الجرائم التي ارتكبها قبل الحج، و يذكرها في مجالسه، و كأنها من أفضل الطاعات، و يتمدح بما اقترفه من قتل و نهب و سرقة، و زنا و قذف و نحوها، و لا يبالي بذلك، فمثل هذا ما نفعته هذه الطاعات و الأنساك التي فعلها في حجه و عمرته، حيث إِنَّه لا يزال على ما كان عليه من الاعتزاز و الفخر بما حرَّمه الله عليه.
و هكذا من يرجع إلى أهله فيباشر ما كان يفعله قبل سفره، فيدعو الأموات، و يتقرب إلى الضرائح، و يهتف بأسماء الأولياء، و يناديهم في الكربات، و يحلف بغير الله، أو يترك الصلاة، و يتخلَّف عن جماعاتها، و يمنع حق الله في ماله و نحو ذلك، فإِن هذه الأفعال و ما أشبهها قد تركها في المواسم المقدسة، فإذا عاد على ما كان عليه، و باشر الشرك و البدع و المعاصي، فما تأثر بأعماله و قرباته، و يوشك أن ترد عليه حجته و عمرته، و أن يعاقب أشد عقوبة مما كان عليه قبل ذلك، حيث جمع بين الطاعة و المعصية.
و أغلب من يعود إلى المحرمات من هؤلاء الحجاج و الزوار من لا يكون حجهم خالصًا لله، و إنما فعلوه عادة و تقليدًا لأهل بلادهم، أو افتخارًا و تمدحًا باسم أنه قد أدى الفريضة، و أتم الأركان، و هو لم يفعل ذلك تدينًا و محبة لله، و لا اعترافًا بفرضيته، و إنما مجاراة و محاكاة لأهل الوطن، و هؤلاء لا تفيدهم أعمالهم إلاَّ التعب و الخسران المبين.
فننصح كل حاج و معتمر و زائر أن يتم في توبته، و أن يستمر في أعماله الصالحة، و أن يكون من الدعاة المخلصين لربهم و للأمة الإسلامية، يدعون إلى الله بأقوالهم و أفعالهم، رجاء أن ينفعهم الله تعالى و ينفع بهم، و يهدي على يديهم من أراد الله به خيرًا من الأمة الإسلامية، و ينقذهم بواسطة دعوتهم من براثن الشياطين، و ضلال المضلين، و الله يهدي إلى سواء السبيل، و صلى الله على محمد و آله و صحبه و سلم.