الصفحة 11 من 15

ولا شك أنَّ حفظَ النفس والعرض أولى من واجبٍ وردت الرخصة بسقوطه عن العاجز وذي الحاجة، والمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة.

ولذا فإن الافتراش الحاصل الآن في الطرقات وتحت الجسور وما يسببه من مضار على الحجاج، وإعاقة للسير، وتضييق للطرق وتعريض النفس والغير للأذى والهلكة من العسر والحرج الذي جاءت الشريعة السمحة برفعه، (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وإيذاء للنفس وتعذيب لها، (والله غني عن تعذيب هؤلاء أنفسهم) ، كما أن في صورة هذه الحشود بهذا المنظر المزري والذين يعلن على العالم كله إساءة بالغة لسماحة الشرع المطهر الذي ماجاء بشيء من هذا ولا أمر به .

المسألة الخامسة: الزحام وما ورد من النهي عنه.

لا خلاف بين أهل العلم أنه ينبغي على المسلم أن يتحرى هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل موطن من مواطن العبادة ما دام أنه في حال السعة والقدرة، وأنه لا ينبغي على أحد أن يترك السنة وهو لا يجد في فعلها حرجًا ولا مضارةً بأحد.

غير أن أهل العلم لا يختلفون ـ كذلك ـ في أن المستحبات إذا ترتب على فعلها تركُ واجب أو ارتكاب محرم تعيَّن تركها وجوبًا لا استحبابًا؛ لأن مصلحة تركها راحجةٌ على مصلحة فعلها، ولأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.

وفي الشريعة قواعد كثيرة تقرر هذا وتدعمه، فمنها على سبيل المثال لا الحصر:

أولًا: قاعدة (مراعاة الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من مراعاة الفضيلة المتعلقة بزمانها أو مكانها) .

فالطواف بجوار الكعبة أفضل منه بعيدًا عنها، ولكن عند الزحام والتدافع يكون الطواف بعيدًا عنها أفضل، لما يُحدثه القُربُ من التشويش والمضايقة وعدم السكينة، والانشغال عن الذكر والدعاء، بخلاف البعد عنها: إذ تتهيّأ فيه الطمأنينة والسكينة والخشوع، والأفضل من ذلك كله أن يؤخِّر الطواف حتى يخف الزحام. فإن الفضائل المتعلقة بذات العبادة: مراعاتها أولى من الفضائل المتعلقة بمكانها وزمانها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت