هذا إذا كان الزحام محتملًا، فكيف إذا كان مظنة الهلاك؟!!!، لا شك حنيئذ أن تأخيره متعين.
ثانيًا: قاعدة (إذا تعارضت مصلحتان إحداهما صغرى، أو خاصة، والأخرى كبرى، أو عامة، فإن الكبرى تُقدم على الصغرى، والعامة تقدم على الخاصة) .
والقاعدة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) .
والأمثلة على هاتين القاعدتين كثيرة:
فمنها: أن الصلاة خلف مقام إبراهيم لا تجوز عند الزحام، وإن كانت في الأصل سنةٌ مؤكدة؛ لأن المفسدة المترتبة على تحقيق هذه السنة أعظم من المصلحة المرجوة منها، كما أن المصلحة في ترك هذه السنة أعظم بمراتب من مصلحة فعلها.
ومنها: أن تقبيل الحجر واستلامه سنةٌ، ولكن يجب تركها عند الزحام؛ لأنها سنة، وإيذاء المسلم حرام، وليس فعل الحرام طريقًا للسنة.
وإذا كانت هذه المستحبات يسع تركها بلا إثم في السعة، فكيف إذا اقترن بها أو ترتب على فعلها مفسدةٌ ظاهرة، بل مهلكة واقتتال.
فعلى الحاج أن يفقه: أن تأخير الرمي إلى المساء، وترك تقبيل واستلام الحجر الأسود، وتأخير الطواف عن وقته الفاضل....إلخ كل ذلك متعينٌ عند شدّة الزحام؛ اجتنابًا للفسوق وأذية الناس. فذلك أدنى أن يأتوا بالسنة على وجهها، فإن مراعاة الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من المتعلقة بزمانها أو مكانها.
أين الحجاج عن الخشوع والتذلل والمسكنة عند أداء الشعائر؟ أين هؤلاء عن تعظيم حرمات المسلمين؟!!!
إن أحدًا من هؤلاء ربما سعى لتحقيق السنة طمعًا في الأجر، فلا يرجع منها إلا بالوزر، والسبب إيذاؤه للضعفاء وتعريضُه نفسه للهلاك واستطالته في أعراض المسلمين.
ونحن على يقين أن سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - منزةٌ عن مثل هذه المغالطات التي لا توازِن بين المصالح والمفاسد، ولا تراعي ترتيب الأولويات، فتقدم المفضول على الفاضل، وتأتي الحرام لتحقق السنة!!!