الصفحة 14 من 15

أيها الحاج الحبيب: ها أنت ذا قد هجرت وطنك، وفارقت أهلك، وتركت عملك، وطويت المسافات، ميمِّمًا خير وِجهةٍ، مجيبًا نداءَ ربك (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك) ، متأسّيًا بنبيك الحبيب -صلى الله عليه وسلم-، وقد حبست نفسك لله أيامًا معدودات، لن يزيد في طولها السكينةُ وكثرةُ الطاعة، ولن يُنقص من طولها العَجلة والإقلال من الطاعة، ولذا فليكن شعورك وأنت تستقبل مناسك حجك وعمرتك شعور المستلذ للعبادة المتسروح بالطاعة، الذي يجد فيها لذَّته وراحته من همومه، لا شعور المهموم بها المستثقل لها، فهو يحسها حملًا ثقيلًا يستعجل إلقاءها عن كاهله، ولو بالعنت والمشقة، وإلقاء النفس في التهلكة.

وإنك لتجد فرقًا وبونًا شاسعًا بين هاتين النفسين وهذين الشعورين .... فرقٌ كبير بين من يأتي العبادة وهو يريد أن يستلذّ فعلها ويستروح بها ويسكن إليها، وبين من يأتي العبادة وهو مهموم بفعلها، متبرم مستثقل لها، يستعجل قضاءها.

وإنك لتجد الأول يأتي العبادة في نشاطٍ ورغبةٍ، فيقضي مناسكه في إخبات وتذللٍ وإلحاحٍ في الدعاء وإكثارٍ من الذكر، وبُعدٍ عن الرفث والفسوق والجدال والإيذاء، يجلِّل عبادته السكينةُ والصبرُ والوقار والحلم.

بينما ترى الآخر يأتي العبادة في كسلٍ، ويقضي نسكه على عجلٍ ولو بالإيذاء والمزاحمة والمضارة، مع غفلةٍ وإقلالٍ من الطاعة.

تذكرْ -أخي الحاج- وأنت تقضي مناسكك أن نبيك وحبيبك -صلى الله عليه وسلم- كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة؛ لأنه يجد فيها راحته وشغلًا عن كل شغل، فكان يقول لبلال: أرحنا بالصلاة يا بلال.

ولك في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنةٌ، فاجعل من عبادتك راحةً من كل هم، لا همًَّا تستعجل إلقاءه والراحة منه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت