السلطان عبد الحميد
(صفحة ناصعة من الجهاد والإيمان والتصميم لمواجهة تحديات الاستعمار والصهيونية)
الأستاذ أنور الجندي
ما نحسب أن شخصية في التاريخ الإسلامي المعاصر لقيت من الغبن والظلم والإعنات ما لقيت شخصية السلطان عبد الحميد الثاني، ولكن هذه السحابة ما لبثت أن انجابت بعد سنوات طوال، وتكشفت حقيقة هذا الرجل واستعلن موقفه الصامد، وجهاده الباسل ومقاومته العنيدة للمؤامرة الضخمة التي حاولت أن تستغله وتخدعه أو تغريه، ولكنه رفض الوعد والإغراء، وتحمل الوعيد والتآمر صابرًا صامدًا طوال حياته وسنواته الطويلة بعد موته.
وقد ظل الغموض يحيط بموقف السلطان عبد الحميد أكثر من خمسين عامًا، ثم لم يلبث أن تكشف قليلًا قليلًا، لقد تولى السلطان 1876 م، وخلع 1909 م وتوفي 1918 م.
وكانت حملات الصحف المارونية قد بدأت منذ تبين صلابة موقف الرجل، وقد استمرت هذه الحملات حتى دخلت إلى كتب الأدب والتاريخ المقررة على المدارس في أغلب البلاد العربية وظلت هذه الكتابات تلح على تصوير السلطان عبد الحميد بصورة الطاغية. المتسلك فترة تزيد على خمسين عامًا، ثم بدأ ينكشف موقف السلطان عبد الحميد جزئيًا بعد ترجمة بروتوكولات حكماء صهيون التي كشفت مخطط المؤامرة على الدولة العثمانية والخلافة، ثم تكشفت بصورة أوسع بعد ترجمة مذكرات هرتزل الذي روى بإفاضة وتوسع قصة الوساطة بينه وبين السلطان وعروضه ورد السلطان عليه.
رجل أريب:
ومن أهم ما يكشف عنه تاريخ السلطان عبد الحميد هو ذلك الفهم الوافر العميق للمؤامرة اليهودية الصهيونية، الممتدة من الماسونية إلى الدونمة إلى جماعة الاتحاد والترقي بكل أبعادها وأهدافها، هذه التي كانت خافية على ظاهر المواقف السياسية في البلاد العربية الإسلامية في ذلك الوقت، وكانت غامضة على الرأي العام في وقتها، بينما كانت واضحة مفهومة لدى السلطان.