فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 292

ثم إن بابتلاء الجماعة المسلمة بالشدائد تعرف الجماعة وزن قوتها الحقيقية ؛ لأن الشدائد كما قلنا تمييز وتمحيص ، فبانكشاف حال المنافقين المندسين في صفوفها وانكشاف حال القادمين إليها للغنيمة والجاه أو التجسس أو غير ذلك من الأغراض الدنيوية أو الخسيسة سيكون وزن قوة الجماعة قدر وزن الذين ظهر صدقهم وإخلاصهم وثباتهم .

كما أن بالشدائد ينكشف حال أعضائها المؤمنين الضعفاء فتعرف الجماعة أن هؤلاء كانوا يزيدون في عدد أعضائها فقط ولا يزيدون في وقتها ، والمنظور إليه في قوة الجماعة هو قوتها الحقيقية وليس بمجرد عدد أعضائها . وفي امتحان الجماعة وابتلائها بالمحن سيعرف كل عضو مؤمن مخلص صادق في إيمانه مقدار إيمانه الحقيقي ومدى عمقه في نفسه ومقدار ثباته عليه ، ومثل هذه المعرفة مهمة جدًا للعضو نفسه وللجماعة نفسها ، فقد يغالي المؤمن المخلص في تقدير إيمانه وثباته عليه وتأثيره في نفسه ويعتقد بأنه حاضر للفداء ومتطلبات الجهاد بكل شيء في سبيل الله ولا يعرف ما في نفسه من قصور وضعف وأنَّ ما كان يجول في خاطره وما كان يحس به قبل نزول البلاء بشأن الجهاد وعزمه عليه ، إنَّ ذلك كلّه كان من قبيل الأماني ، وإنّ الأماني غير ما يُعزم عليه ، وما يعزم عليه غير تنفيذه وفعله فقد تنفسخ العزائم إذا جدّ الجدّ وحقت الحقائق . والفعل نفسه قد ينقطع ولا يستمر ، أو يستمر ولكن في الجو الهادىء المريح فقط وليس في الرياح العاتية والأعاصير الشديدة .

فهذه المعرفة تنفع العضو المؤمن المخلص فينكشف له حاله تمامًا مما يحمله على الالتفات إلى نفسه يتأملها ويفحصها ليتعرف على أوجه الضعف فيها فيتداركها بالتقوية ، ويتعرف على ما في نفسه من كدورة ووسخ فيعمل على تنقيتها وغسلها ويزيل عنها العوائق والشوائب التي تمنع من تغلغل الإيمان في كيانه وتجعله حاضرًا للفداء والجهاد على وجه الحقيقة لا على وجه الأماني والرغبات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت