فهرس الكتاب
والمعنى أن أول الناس يجري عليه القضاء رجل مات في الجهاد أي في قتال الكفار ، فيؤتى به ويوقف بين يدي الله تعالى ، فيعرفه الله بنعمه التي أنعم بها عليه في الدنيا فيعترف بها فيقول الله تعالى له فما عملت في هذه النعم التي أنعمت بها عليك ، هل قمت بشكرها؟ فيقول هذا الرجل: قاتلت في سبيلك وبطلب مرضاتك حتى استشهدت ، فيقول الله تعالى: كذبت ، ولكنك قاتلت حتى يقال إنك جريء ، أي شجاع ، وقد قيل ما قاتلت من أجله . فانظروا ـ رحمكم الله ـ يا جماعة المسلمين ، كيف يعمل الرياء بصاحبه؟ إنه يحمله على ان يموت بيد الكفار حتى يقول الناس ولو بعد موته إنه شجاع ، وفي الآخرة ينتظره عذاب أهل الرياء ، فهل يليق بالمسلم العاقل المؤمن بالله واليوم الآخر أن يبتغي بعمله مدح الناس وثناءهم عليه مع خسرانه الدنيا بفقد حياته وخسران الآخرة بمقت الله له وإدخاله النار؟
116 ـ افتضاح رياء الجماعة المسلمة:
وأيضًا فإن الجماعة المسلمة إذا عملت للرياء وطلب السمعة بان تجلب على نفسها المحن والبلايا ليقول الناس عنها ما أجرأها وما أشجع أعضاءها فسيصيبها زيادة على المحن التي التي جلبتها لنفسها ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري في صحيحه عن جندب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من سمَّع سمَّع الله به ، ومن يرائي يرائي الله به) (1) .
وجاء في شرح العسقلاني لهذا الحديث: المراد بالرياء إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها . والمراد بالسمعة نحو في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع والرياء بحاسة البصر . وقال الخطابي في هذا الحديث: معناه من عمل عملًا على غير إخلاص وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه ـ أي يسمعوه مدحهم وثناءهم عليه ـ جوزي على ذلك بان يشهره الله ويفضحه ويظهر ما كان يخفيه .
(1) ـ صحيح البخاري ، ج11 ، ص 326 .