فهرس الكتاب
وقد يقال: إن السبب وإن كان صحيحًا وتامًا فليس من المحتم أن يستوجب مسبّبه مما يدل على أن المُسبّب لا يحدث بالسبب ، وإنما قد يحدث عنده ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لن يدخل أحدكم الجنة بعمله . قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ) )مع قوله تعالى: (ادخلوا الجنة بما كنتم تعلمون) ، فدلّ على أنّ المسبَّب لا يحصل بالسبب بل عنده .
والجواب: إن (الباء) في قوله تعالى: (ادخلوا الجنّة بما كنتم تعملون) هي (باء) السببية ، فالأعمال الصالحة هي سبب دخول الجنّة ، واستوجبتها بوعد الله وسنته . فالمعنى ادخلوا الجنّة بسبب أعمالكم . والذي نفاه النبي صلى الله عليه وسلم هو: (باء) المقابلة أو المعاوضة ، فليس العمل عوضًا ولا ثمنًا كافيًا لدخول الجنّة ، بل لا بد من عفو الله وفضله ورحمته (1) .
26 ـ لا بدّ للأسباب من شروط وانتفاء الموانع:
وليكن معلومًا أن السبب إنما يستوجب مسببه إذا توفرت شروطه أي إذا تحققت شروط عمل هذا السبب وفعاليته واستدعاءه لمسببه . كما لا بد من انتقاء موانعه أي انتفاء الموانع التي تعيق عمل هذا السبب أو تسلبه فعاليته بحيث يصبح غير قادر على استدعاء مسببه . فالأكل مثلًا سبب للغداء والشبع واستدامة الحياة ، ولكن بشرط سلامة أعضاء الإنسان الضرورية لتلقي الطعام والاستفادة منه ، وانتفاء الموانع أي انتفاء العوائق التي تعيق عمل هذه الأعضاء في انتفاعها من الأكل .
(1) ـ مجموع فتاوى ابن تيمية ، ج8 ، ص 70 .