فهرس الكتاب
قال ابن تيمية رحمه الله في ردّه على هذا القول: ( وهذا القول وأمثاله من قلة العلم بسنّة الله في خلقه وأمره ، فإن الله تعالى خلق المخلوقات بأسباب ، وشرع للعباد أسبابًا ينالون بها مغفرته ورحمته وثوابه في الدنيا والآخرة . فمن ظنَّ أنه بمجرد توكله مع تركه ما أمره الله به من الأسباب يحصل مطلوبه وأن المطالب لا تتوقف على الأسباب التي جعلها الله أسبابًا لها فهو غالط ) (1) .
والحقيقة أن إسقاط الأسباب والإعراض عنها وعدم مباشرتها بحجة التوكل على الله تعالى يفضي بفاعل ذلك إلى مخالفة الشرع فإن الله تعالى قد أمر بالأخذ بالأسباب فمن أعرض عنها فإنه يعرض عما أمره الله تعالى به ، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ( والله أمر بالقيام بالأسباب فمن رفض ما أمره الله أن يقوم به فقد ضاد الله في أمره ، وكيف يحل لمسلم أن يرفض الأسباب كلّها؟ ) (2) .
29 ـ تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل:
وليكن معلومًا أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل ، بل إن التوكل نفسه من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب ويندفع بها المكروه ، فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل . ثم إن حقيقة التوكل الثقة بالله والطمأنينة به والسكون إليه فالتوكل ـ كما قال الإمام أحمد ـ هو عمل القلب ، ومعنى ذلك أنه عمل قلبي ليس بقول اللسان ولا عمل الجوارح (3) .
(1) ـ مجموع فتاوى ابن تيمية ، ج8 ، ص 529 ـ 530 .
(2) ـ مدارج السالكين لابن القيم ، ج3 ، ص 478 .
(3) ـ مدارج السالكين لابن القيم ، ج1 ، ص 114 وما بعدها .