فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 292

وعلى هذا العموم الذي ذهب إليه الإمام القرطبي يكون معنى الآية: إن الله تعالى جعل ما على الأرض من غير ذوي العقول زينة للأرض تتزين به وتتحلى وهو شامل لزينة أهلها أيضًا . وزينة كل شيء بحسبه وهو زينة لاهلها ، ولا شيء مما على الأرض إلا وفيه جهة انتفاع ولا أقل من الاستدلال به على خالقه الله جلّ جلاله (1) .

ومعنى (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) أي لنختبرهم في زينة الأرض ليتبين من هم أحسن عملًا . وحسن العمل الزهد في زينة الدنيا وعدم الاغترار بها ، وجعلها ذريعة إلى معرفة خالقها والتمتع بها حسبما أذن به الشرع واداء حقوقها والشكر على ما أوتي منها لا اتخاذها وسيلة إلى الشهوات والأغراض الفاسدة كما تفعله الكفرة وأصحاب الأهواء . ومراتب حسن العمل ـ أي الزهد في زينة الدنيا بالمعنى الذي نبيّنه ـ متفاوتة ، وكلما قوي الزهد كان العمل أحسن ، ولهذا قال الإمام سفيان الثوري في قوله تعالى: (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) أي لنختبرهم أيهم أزهد في زينة الدنيا (2) .

91 ـ ابتلاء الناس بالتفاوت فيما بينهم:

ومما يمتحن الله به عباده وجرت به سنّته تفاوتهم واختلافهم في المواهب والأرزاق ليظهر مدى قيامهم بما يلزمهم شرعًا من فعل أو ترك نحو أنفسهم وغيرهم بناء على الحالة التي هم عليها وامتازوا بها عن غيرهم واختصوا بها من دونهم كالعلم والجاه والمال والمكانة الاجتماعية والسلطان وكذلك بناء على فقرهم وضعفهم ، قال تعالى:(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ

رَّحِيمٌ) (3) .

(1) ـ تفسير الآلوسي ، ج15 ، ص 206 .

(2) ـ تفسير القرطبي ، ج10 ، ص 355 .

(3) ـ سورة الأنعام ، الآية 165 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت