فهرس الكتاب
والمعنى أن الله تعالى هو الذي جعلكم ـ أيها المسلمون ـ خلفًا للأمم الماضية والقرون السابقة (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ) أي فاوت وخالف بينكم في الخلق والرزق والقوة والفضل والعلم والأخلاق والمحاسن والمساوىء والمناظر والأشكال والألوان وله الحكمة في ذلك . وقد جرت سنّته تعالى في هذا التفاوت ورفع بعضكم فوق بعض في هذا التفاوت (لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) أي ليختبركم في الذي انعم به عليكم وامتحنكم به ليختبر الغنيّ في غناه ويسأله عن شكره ، والفقير في فقره ويسأله عن صبره ، وليختبر ذا الجاه والسلطان في أي شيء استعمل جاهه وسلطانه (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) لمن قام بشكر نعمته وأطاعه فيها (1) .
92 ـ من سنّة الله في الابتلاء امتحان المؤمنين بالشدائد:
قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) (2) . قال أكثر المفسرين نزلت هذه الآية في معركة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة والبرد وسوء العيش وأنواع الشدائد .
وقال بعض المفسرين نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين وآثروا رضا الله ورسوله ، فأنزل الله تعالى هذه الآية تطييبًا ، واستدعاهم الله تعالى إلى الصبر ووعدهم على ذلك بالنصر (3) .
(الْبَأْسَاء) الشدّة تصيب الإنسان في غير نفسه وبدنه كأخذ المال والإخراج من الديار وتهديد الأمن ومقاومة الدعوة .
(1) ـ تفسير ابن كثير ، ج2 ، ص 199 ، تفسير القرطبي ، ج7 ، ص 158 ، تفسير الزمخشري ، ج2 ، ص 84 ، تفسير المنار ، ج8 ، ص 250 .
(2) ـ سورة البقرة ، الآية 214 .
(3) ـ تفسير القرطبي ، ج3 ، ص 34 .