فهرس الكتاب
إن من خصائص السنن الكونية والاجتماعية التي عينها القرآن الكريم خاصية الثبات والدوام، أي أنها لا تتغير، ولا تتبدل، ولا تتحول، وهي تجري على الآخرين كما جرت على الأولين، وتعمل في عصر سفن الفضاء عملها في عصر الجمل سفينة الصحراء، وثبات السنن وعدم تغيرها وتحولها أمر لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان كما يقال، يدل عليه تاريخ الأمم والحضارات والواقع المشهود، فكل من جاء بالأسباب وأتى بالموجبات تحققت فيه سنن الله وأحاطت به.
فمثلا من جاء بأسباب الهلاك والدمار وقعت به وفق سنة الله تعالى لا محالة، وأن الهلاك لن يتبدل إلى نعيم وفقا لثبات السنن، ومن وجب عليه العذاب في الدنيا لإتيانه بأسبابه لا يتحول عنه إلى غيره؛ لأن سننه تعالى تجري على وزان العدل والحكمة، ولا يظلم ربك أحدا.
و دليل خاصية الثبات قوله تعالى: (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) [1] وقوله سبحانه في سورة فاطر: (فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) . [2]
وبين شيخ الإسلام ابن تيمية الفرق بين لفظي (التبديل) و (التحويل) مع ضرب الأمثلة ليتضح المراد.
فقال: « (فالتبديل) : أن تبدل بخلافه، والتحويل أن تحول من محل إلى محل؛ مثل استفزازه - أي استفزاز الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم- من الأرض ليخرجوه؛ فإنهم لا يلبثون خلفه إلا قليلا [3] ، ولا تتحول هذه السنة بأن يكون هو المخرج وهم اللابثون،، بل متى أخرجوه خرجوا خلفه، ولو مكث لكان هذا استصحاب حال، بخلاف ظهور الكفار فإنه كان تبديلا لظهور المؤمنين، وظهور الكفار إذ كان لا بد من أحدهما.
(1) 61 الأحزاب 62
(2) 62 فاطر: 43
(3) 63 الإشارة إلى قوله تعالى: (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها، وإذا لايلبثون خلفك إلا قليلا) الإسراء 77