فهرس الكتاب
قد خلقت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) [1] ، وقال سبحانه: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) [2] وقال: (فاعتبروا يا أولي الأبصار) [3] .
والاطراد دليل على أن مقتضى حكمة الله تعالى أن يقضي في الأمور المتماثلة بقضاء متماثل لا بقضاء مخالف، فإذا كان قد نصر المؤمنين لأنهم مؤمنون، كان هذا موجبا لنصرهم حيث وجد هذا الوصف، بخلاف ما إذا عصوا ونقضوا إيمانهم كيوم أحد فإن الذنب كان لهم، ولهذا قال: (ولن تجد لسنة الله تبديلا) فعم كل سنة له، وهو يعم كل سنته في خلقه وأمره؛ في الطبيعيات والدينيات [4] .
ويزيد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الأمر شرحا وبيانا فيقول: (و(السنن) و (أسنان المشط) ونحو ذلك بلفظ (السنة) يدل على التماثل، فإنه سبحانه إذا حكم في الأمور المتماثلة بحكم؛ فإن ذلك لاينتقض ولا يتبدل ولا يتحول، بل هو سبحانه لايفوت بين المتماثلين، وإذا وقع تغيير فذلك لعدم التماثل، وهذا القول أشبه بأصول الجمهور القائلين بالحكمة في الخلق والأمر، وأنه سبحانه يسوي بين المتماثلين، ويفرق بين المختلفين، كما دل القرآن على هذا في مواضع كقوله تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين) [5] .
ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا، ولولا القياس واطراد فعله وسنته لم يصح الاعتبار بها، والاعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم نظيره، كالأمثال المضروبة في القرآن، وهي كثيرة) [6] .
فالحكمة -إذن- من كون السنن ثابتة ومطردة هو أن تنضبط الموازين، وتستقر معالم الحكم على الأشياء والأحداث والوقائع والأفراد والأمم والتاريخ والحضارات، وإلا كان الأمر فوضى وعبتا ولعبا، وهو ليس كذلك قطعا وجزما.
(1) 71 آل عمران: 137 - 138
(2) 72 يوسف: 111
(3) 73 الحشر: 2
(4) 74 رسالة في لفظ السنة في القرآن لابن تيمية (جامع الرسائل) ، ص 54
(5) 75 القلم: 35
(6) 76 المصدر السابق ص:55