فهرس الكتاب
وهو الأصل الذي نبه عليه شيخ المقاصد الإمام الشاطبي لما بين أن الإخبار الشرعي قد جاء بأحوال من هذا الوجود على أنها دائمة وغير مختلفة إلى قيام الساعة، كالإخبار عن السموات والأرض وما بينهما وما فيهما من المنافع والتصاريف والأحوال و أن سنة الله لا تبديل لها، وأن لا تبديل لخلق الله.
ثم يذكرنا الشاطبي أن هنالك علاقة لزوم بين معرفة الدين واطراد السنن، وأنه لو لم تكن السنن الكونية والاجتماعية مطردة، لم يعرف الدين من أصله، فضلا عن تعرف فروعه، لأن الدين لا يعرف إلا بالاعتراف بالنبوة، ولا سبيل للاعتراف بها إلا بواسطة المعجزة، ولا معنى للمعجزة إلا أنها فعل خارق للعادة، ولايحصل فعل خارق للعادة إلا بعد تقرير اطراد العادة في الحال والاستقبال كما اطردت في الماضي.
فلو كان الباري عز وجل خلق الناس وخلق الكون من حولهم في تغيير مستمر لما أمكن أن يكون لهم تشريع ثابت لا يتغير، فثبات التشريع في أصوله وعدم تغيره واضطرابه بتغير الزمان والمكان دليل على أن الخلق الذين شرع لهم لا تتغير فطرهم وطبائعهم التي بني عليها التشريع [1] .
إن القرآن الكريم بتأكيده المستمر على اطراد السنن الكونية والاجتماعية، وتكررها، وتسلسلها، وتتابعها، يكون قد جاء برؤية علمية للتاريخ والاجتماع، أي أن هذه السنن مطردة، ليست علاقة عشوائية، وليست رابطة بين العلل والمعلولات قائمة على الصدفة والاتفاق، وإنما هي علاقة ذات طابع موضوعي وعلمي، لأن أهم مايميز القانون العلمي الخاضع للاستقراء والملاحظة والتجربة عن بقية المعدلات والفروض هو الاطراد والتتبع وعدم التخلف.
هذا البلاغ القرآني الجليل في مسألة السنن أعرض المسلمون عن هديه، وجنح كثير منهم في العصور الأخيرة إلى إنكار ثبات السنن واطرادها؛ بل إلى تحريم النظر في علل الأشياء وأسبابها، والتوهم بأن هذا الاعتقاد يتعارض مع الإيمان بقدرة الله تعالى وقضائه، ويناقض التوكل عليه سبحانه، ففصلوا بين السبب والمسبب، وبين المقدمة والنتيجة، فسادت بينهم النظرة العفوية الاستسلامية، والرؤية الفوضوية المفككة، التي تنظر إلى أحداث
(1) 77 الموافقات للإمام الشاطبي 2/ 483 وما بعدها, كتاب المقاصد, المسألة الثالثة عشر والرابعة عشر, تحقيق مشهور حسن آل سلمان