الصفحة 25 من 39

التاريخ والاجتماع والعمران كما لو كانت كومة متراكمة معزولة، منفصلا بعضها عن بعض، لا يربطها رابط ولا يجمعها جامع من علل ومعلولات؛ وأسباب ومسببات.

وساد ضرب من الفكر الكلامي، انتشر في أطراف العالم الإسلامي؛ مند القرن الخامس الهجري، متأثرا بالجدل الفلسفي الأجنبي؛ سعى إلى تعطيل قانون السببية تعطيلا كاملا، ونزع صفة الاطراد عن السنن؛ بحجة أن الصفات لا ترتبط بالموجودات ارتباطا لازما، بل ترتبط بها ارتباط عادة، فيعتقد هؤلاء مثلا أنه ليس من طبيعة النار الإحراق، ولكن الله تعالى يجعل فيها هذه الصفة لحظة ملامستها! وكذلك السكين ليس من طبيعته القطع، وإنما يخلق الله عز وجل هذه الصفة فيها حين إمرارها على الجلد، وبناء على ذلك، أنكروا كل (باء سببية) في القرآن الكريم، وبدعوا من خالفهم، ومن قال: النار تحرق بقوة أودعها الله فيها؛ فهو مبتدع ضال في زعمهم، ومن متونهم المنظومة في العقيدة:

والفعل في التأثير ليس إلا ... *** ... للواحد القهار جل وعلا

ومن يقل بالطبع أو بالعلة ... *** ... فذاك كفر عند أهل الملة

ومن يقل بالقوة المودعة ... *** ... فذاك بدعي فلا تلتفت

ومرد هذا نفي فكرة الطبع التي كان يقول بها بعض الفلاسفة القدامى، إذ يعتقد هؤلاء المتكلمون أن التسليم بوجود الصفات في طبع الأشياء يعطل الإرادة الإلهية؛ ويجعل هذه الأشياء فاعلة بذاتها وليس بقدرة الله تعالى، وقد أخطأوا حين ظنوا بأن الاطراد في السنن ينفي المشيئة الإلهية أو يعطلها، لأن السنن التي تحكم الوجود، ما هي إلا قدر الله عز وجل، أنشاه حتى يستطيع الإنسان تسخيره واستثماره والاستفادة منه في سائر شؤون حياته، وقد كان من نتائج هذا الفكر الكلامي الجانح تعطيل الأخد بأسباب النهوض والبناء والرقي، نشأ عنه تخلف المسلمين الحضاري، وسقوطهم الاجتماعي، والانصراف عن العطاء والعمل، إلى الكلام والمراء والجدل [1] .

(1) 78 أنظر المسلمون وفقه السنن للدكتور محمد أمحزون ص: 29 - 30 - 31، مجلة المنار الجديد: ع 24، س 6. شعبان 1424 هـ - أكتوبر 2003 م

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت