المعقود، وحامل لواء الحمد يوم الدين، وقائد الغر المحجلين، ومن أُنزل على قلبه قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) .
نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى الأزواج والصحب والآل ومن سار على النهج إلى يوم التناد.
أما بعد: فهذه الرسالة يخطها القلم بمداد التوحيد الصافي، وبصوت صريفه الذي مُلئَ تسبيحًا وتقديسًا وخوفًا من الله تعالى أن يُطْبِقَ السماء على أهل الأرض، أو يأمر البحار أن تُغرقهم، أو يُرسل عليهم حجارةً من السماء فتهلكهم، بما اقترفوه في حق ربهم وخالقهم ورازقهم سبحانه وتعالى.
إنَّها رسالة كل حرفٍ فيها أقر بالوحدانية لربه وخالقه جلَّ وعلا، وشهد له بأنَّه لا إله إلاَّ هو ربٌ تفرَّد بالملك والخلق والتدبير والقهر والسلطان.
إنها رسالة كل كلمةٍ [1] فيها خرّت بين يدي ربها ساجدة مخبتة، وصدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَمَنْ في الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ والجِبَالُ والشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْه العَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء) [الحج:18] .
إنها رسالة تُثبتها الأوراق بين ضلوعها تعبدًا لله وتقربًا، وتشهد عليها الأيام والليالي بين يدي ربها وخالقها على ما جناه ذلك الإنسان الكفور الغرور في حق ربه ومولاه، ذلك الإنسان الذي كان طفلًا ضعيفًا لا يملك لنفسه حولًا ولا قوة إلا قوة الله وعنايته، الذي كان يطعمه ويسقيه ويرعاه ويكلؤه، وإذ بذلك الطفل الضعيف الذي تربى على أفضال سيده وخالقه وبارئه سبحانه وتعالى، أعوامًا عديدة، وعقودًا مديدة، يتمرَّد ويحارب ربَّه وخالقه ومولاه سخريةً واستهزاءً وشتمًا عند قُوَّتِه وشبابه، وقد قال الله تعالى: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إلاَّ الإِحْسَان) [الرحمن:60] .
(1) يستثنى من هذا كلام الله تعالى فهو غير مخلوق؛ لأنه صفة من صفات الله سبحانه وتعالى قائمة بذاته، منه بدأ وإليه يعود، والله لم يزل متكلمًا سبحانه وتعالى إذا شاء ومتى شاء.