الصفحة 5 من 13

حيَثُ أمَّر النَبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَمْرو بنَ العَاصِ - رضي الله عنه - في غَزْوَةِ ذَاتِ السَلاسِلِ، فَخَشِيَ عَمْرُو؛ فَبَعَثَ يَسْتَمِدُّ، فَنَدَبَ النَبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الناسَ مِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ، فَانتَدَبَ أبُو بَكرِ وعُمرَ في آخَرينَ، فأمَّر عَليهم أبا عُبَيْدَةَ بن الجَرَّاحِ مَدَدًا لعَمْرو بنَ العَاصِ؛ فَلمَّا قَدِمُوا عَليهِ قَالَ: أنا أمِيرُكُم!. فَقَالَ المُهاجِرُونَ: بَلْ أنتَ أميرُ أصْحَابِكَ، وأبو عُبَيْدَةَ أميرُ المُهاجِرينَ. فَقَالَ: إنَّمَا أنتُم مَدَدِيْ!. فَلمَّا رَأىْ ذَلكَ أبو عُبَيْدَةَ - وكَانَ حَسَنَ الخُلِقِ مُتَبِعًَا لِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وعَهدِهِ - فَقَالَ: تَعْلَمُ يا عَمْرو أنَّ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ لي:"إنْ قَدِمْتَ عَلى صَاحِبِكَ فَتَطَاوَعَا"وإنَّكَ إنْ عَصَيْتَنِي أطَعْتُكَ، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو: فَإنِّي أمِيرٌ عَلَيكَ، إنَّمَا أنتَ مَدَدٌ ليْ. قَالَ: فَدُونَكَ. فَصَلَّى عَمْرُو بنُ العَاصِ بِالنَاسِ [1] .

وعن الشَعْبيِّ رَحِمَهُ اللهُ قالَ: قالَ المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ - رضي الله عنه - لأبي عُبَيْدَةَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أمَّرَكَ عَلينا، وإنَّ ابنَ النابِغَةِ ليسَ لكَ مَعَهُ أمْرٌ - يَعني: عَمْرو بْنَ العَاصِ - فَقَالَ أبو عُبَيْدَةَ - رضي الله عنه:"إنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَنَا أنْ نَتَطَاوَعَ، وأنا أُطِيعُهُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -" [2] .

ج- سَرِيةُ الخَبَطِ أو سِّيفُ البَحْرِ في رَجَبٍ مِنَ السَنَةِ الثَامِنَةِ للهِجْرَةِ:

عَنْ أبي الزُبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بِنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ:"بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَمَّرَ عَلَينَا أَبَا عُبَيْدَةَ؛ نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيشٍ وَزَوَّدْنَا جِرَابًا مِن تَمرٍ لَمْ يَجِد لَنَا غَيرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعطِينَا تَمرَةً تَمرَةً، قالَ: فَقلتُ: كَيفَ كُنتمْ تَصْنعُونَ بِها؟ قال: نَمُصُّهَا كَمَا يَمُصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنْ الْمَاءِ، فَتَكْفِينَا يَومَنَا إِلَى اللَّيلِ، وكُنَّا نَضرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ ثم نَبلُّهُ بالماءِ فَنَأكُلَهُ."

قَالَ: وانطَلَقنَا عَلى سَاحِلِ البَحرِ؛ فَرُفعَ لنا عَلى سَاحِلِ البَحرِ كَهَيئَةِ الكَثِيبِ الضَّخمِ، فأتيناه؛ فَإِذَا هِيَ دَابَّة تُدعَى (الْعَنْبَرُ) ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيِّتَةٌ؟! ثُمَّ قَالَ: بَلْ نَحنُ رُسُلُ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , وَفِي سَبِيل اللَّهِ, وَقَدْ اُضطُرِرّتُمْ فَكُلُوا، قال: فَأَقَمنَا عَلَيهِ شَهرًا وَنَحنُ ثَلَثمِئَةٍ حَتَّى سَمِنَّا.

قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيتنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقبِ عَيْنهِ [3] بِالْقِلَالِ الدُّهنَ، وَنَقتَطِعُ مِنهُ الفِدَرَ [4] ، كَالثَّورِ - أَوْ كَقَدرِ الثَّورِ -فلَقدْ أخذَ منَّا أبو عُبَيدةَ ثلاثةَ عَشَرَ رجُلًا؛ فأقعَدَهُمْ في وَقْبِ عَينهِ، وَأَخَذَ ضِلعًا مِنْ أَضلَاعه فَأَقَامَهَا، ثمّ رحَّلَ أعظمَ بعيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ مِنْ تَحْتِها، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحمِهِ وَشَائِقَ [5] ، فلمّا قَدِمنَا المَدينةَ أتينَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرنَا ذلِكَ

(1) عزاه في «الإصابة» (2/ 243) لموسى ابن عقبة في «مغازيه» .

(2) أخرجه أحمد (1698) وابن عساكر (25/ 448) وعزاه ابن حجر في «الإصابة» (2/ 244) لابن سميّ في «جزئه» ، وصحح إسناده.

(3) هو داخل عينه ونُقرَتهَا.

(4) أي القطع.

(5) جمع وشيقة، وهو اللحم يؤخذ فيغلى اغلاء ولا ينضج ويحمل في الأسفار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت