رضي الله عنه-قول الله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) } [1] رفع يديه وقال: انتهينا انتهينا فهم من هذه الصيغة {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) } [2] أن فيها التقريع والتوبيخ والذم والإنكار على من فعل هذا الشيء.
على أن بعض الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يدركون بعضا من القواعد الأصولية الخليفة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - سئل عن مسألة، عن مسألة الجمع بين الأختين بملك اليمين، معلوم أن الجمع بين الأختين بعقد النكاح ما حكمه؟ ما يجوز، فسئل عن الجمع بين الأختين بملك اليمين فنظر فيها الخليفة عثمان -رضي الله عنه-وقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، يشير إلى قول الله تعالى: أحلتهما آية: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [3] ويشير في قوله وحرمتهما آية: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [4] فقال: حرمتهما آية وأحلتهما آية، ثم قال: والتحريم أحب إلينا، يشير إلى قاعدة فقهية مشهورة وهي أنه: إذا اجتمع حاظر ومبيح ما الذي يقدم؟ يقدم الحاظر.
أيضا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-في مسألة عدة المتوفى عنها زوجها الحامل، معلوم أن الجمهور يقولون: إن عدتها بوضع الحمل، وابن عباس - رضي الله عنه - نقل عنه أنه كان يقول: تعتد بماذا؟ بأبعد الأجلين: إما أربعة أشهر وعشرا وإما وضع الحمل، فابن مسعود -رضي الله عنه-يقول: أشهد بالله أن سورة النساء الصغرى نزلت بعد سورة النساء الكبرى، ما الذي يقصد بسورة النساء الصغرى، يقصد سورة الطلاق وسورة النساء الكبرى يقصد سورة البقرة، يشير إلى قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [5] وفي سورة الطلاق اللي هي سماها سورة النساء الصغرى {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [6] فهو يشير إلى قاعدة فقهية قاعدة أصولية وهي: أن المتأخر ينسخ المتقدم أو يخصصه على خلاف بين الأصوليين في مسألة النسخ والتخصيص في مثل هذه الحالة.
أيضا الخليفة علي -رضي الله عنه-لما استشار ابن عمر -رضي الله عنه-والصحابة في حد شارب الخمر، فقال علي - رضي الله عنه - أرى أنه إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى، وأرى أن يقام عليه حد الفرية، فهو أخذ بقاعدة أصولية وهي أن العبرة بمآل الشيء أو بما يؤول إليه.
كما أن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يستخدمون القياس، ومن أوضح الأمثلة على استخدام الصحابة -رضي الله عنهم- للقياس قياس أبو بكر - رضي الله عنه - حيث قاس مانع الزكاة على ماذا؟ على تارك الصلاة، فقال: إنها فريضة الصلاة في كتاب الله؛ ولهذا -أيها الإخوة- هذه الحادثة أو هذه الواقعة -كما رواها البخاري في صحيحه- هي من أقوى الأدلة على حجية القياس، لماذا؟ لأنها إجماع الصحابة، أبو بكر -رضي الله عنه-قاس، وكان بعض الصحابة كأنه في أول الأمر ما تبين له الحكم فيها ثم وافق + أبا بكر - رضي الله عنه - وأجمع الصحابة -رضي الله عنهم- على معاملة مانع الزكاة كمعاملة تارك الصلاة، فهذا حقيقة من أقوى الأدلة على مشروعية القياس.
أهمية علم أصول الفقه
بقي معنا الإشارة -أيها الإخوة- إلى أنه في أثناء دراسة طالب العلم للأصول يلاحظ عدة أمور، منها أولا: ما وقع في أذهان البعض أن هذا العلم علم صعب، وأن فيه شيئا من صعوبة العبارة.
الحقيقة كل علم من العلوم ليس بالأمر السهل، بل يحتاج إلى بذل جهد واستفراغ وسع حتى يحصل الإنسان منه ما يريد، وعلم الأصول قد يكون فيه شيء من الصعوبة، لكن هذه الصعوبة ليست بالصعوبة التي تحول بين طالب العلم وبين إدراك هذا العلم، يعني قد يكون فيه بعض التعاريف مثلا، قد يكون فيه بعض الاعتراضات
(1) - سورة المائدة آية: 91.
(2) - سورة المائدة آية: 91.
(3) - سورة النساء آية: 3.
(4) - سورة النساء آية: 23.
(5) - سورة البقرة آية: 234.
(6) - سورة الطلاق آية: 4.