ومما استطاع المحاور الخروج به هو نواة لإمكانية بناء نظرية حول موقف المستشرق نفسه من الدراسات التي يقوم بها.
وبعيدًا عن التعميم الذي اتسم به بعض نقد الاستشراق، هناك من المستشرقين من يحقق ويقرر أن بعضهم ينظر إلى دراسة الشرق عمومًا, والإسلام بخاصة, على أنه مادة مكروهة. ويبدو أن هذه جرأةٌ في الطرح، واعتراف غير مسبوق ، إذ ريما يُعَدُّ من الأسباب التي أدت إلى ما وصلت إليه الدراسات الاستشراقية، ليس كلها, ولكن معظمها، وبالتالي يمكن القول إن نقدَ الاستشراق هو نوعٌ من الاستغراب بالمفهوم العلمي للمصطلح، وإن كان لم يتبلور بعد.
وهل بالإمكان القول إن نقد الاستشراق, بالتالي, قام كذلك على الكره للمستشرقين ودراساتهم؟ هذا الموضوع يحتاج إلى تفصيل يطول، ولكنه يعود بنا إلى دوافع نقد الاستشراق، فإن كان من الدوافع الغيرةُ على الدين والمجتمع المسلم, فإن عدم الولاء لهذه الدراسات وارد ومطلوب.
ولم تكن الغيرة على الدين هي المسيطرة, بالضرورة, على نقد الاستشراق، بل إن هناك دارسين عَِلمانيين، أو هكذا يقال عنهم، نقدوا الاستشراق، ومن هؤلاء من نقده ربما لأن الاستشراق تعاطف مع الجانب الديني في المجتمع المسلم، وكان هذا الفريق يودُّ من المستشرق أن يهمّش الدين في المجتمع المدروس، في الوقت الذي يصرِّح فيه المستشرقون بأنه لا يمكن إغفال البُعد الديني في المجتمع المسلم المعاصر، ناهيك عن المجتمعات المسلمة السالفة.
وفي المحاورات التي تضمنها الكتاب حوار الاستشراق طروحات جيدة حول هذا المفهوم، لا يملك المتابع لها أن يُخفيَ إعجابه بها، وإن كان قد لا يتِّفق معها دائمًا، ولكنه الحوار الهادئ العميق الذي يجذب القارئ إليه، ويتيح له هامشًا كبيرًا للتأمُّل والتفكُّر. ولعله لا يخفى على القارئِ استمرار المتعة بهذا الطرح, والإفادة منه في ملاحقة ظاهرة الاستشراق, للرغبة في الاستزادة من قراءة ما يكتب حوله, من نقد له أو عليه.