وأحسب أن العرب، قد أعطوا الكاتب السموأل هنتنجتون, والكتاب صدام الحضارات قيمةً علميةً وإستراتيجيةً, أكثرَ مما يستحقها، لاسيَّما إذا لوحظ أن أصل الكتاب تقرير مقدَّم إلى جهات سياسية, فتطوَّر التقرير إلى مقالة صدرت عام 1414هـ/1993م في مجلة شؤون خارجية Foreign Affairs, ثم طُوُّرت المقالة إلى كتاب، فسارع العرب، لاسيَّما المتكسِّبون ماديًا، إلى ترجمته ترجمة مطولةً.
ولعلَّ ما كُتب عنه لدى العرب أكثرُ مما كتب عنه لدى غير العرب، وأحسب أيضًا أن المهلِّلين للكتاب لدى الساحة الإعلامية العربية, أكثرُ من المادحين لأفكاره في الأوساط العلمية الثقافية الفكرية العربية وغير العربية؛ إذ إننا لسنا في هذا الوقت، وفي غيره بحاجة إلى تعميق الهوِّة، وتوسيع الفجوة بين الشرق والغرب لأي سبب، وبأي ظرف، بل إن الوقت الآن يؤكد على الحاجة الملحة إلى تجسير الفجوة، وإغفال هذا الشرخ المصطنع، ذلك أن مصلحة العالم، وليس العرب والمسلمين فقط، تؤيد وبشدة انتشار روح التسامح، وتقبُّل الغير، وتوسيع هامش الحوار الإيجابي.
المُحَدِّد الرابع عشر: العلمنة (4)
وفي ضوء الحديث عن العلمنة, مُحَدِّدا من مُحَدِّدات العلاقة بين الشرق والغرب, وكون العلمنة نبتت في الغرب, وجرت محاولات تصديرها إلى الشرق والعالم, على أنها من معطيات الحضارة الغربية, هناك من يتحدَّث عن قُرب إفلاس الحضارة الغربية, ويرى أنها مسألة متحققة، دون أن يكون هناك قدرةٌ على التوقيت, فوقت الإفلاس ليست مسألة قابلة للتخمين, رغم أن هناك من يعطي عقدًا من الزمان, يتحقق فيه ذلك.
وسبب التأكُّد من تحقق الإفلاس أن هذه الحضارة قامت على المادة, على حساب المثُل، والإنسان مُثُل ومبادئ, قبل أن يكون مادة.
وأمن الإنسان يتحقق بالمُثُل والمبادئ أولًا, ثم تتحقق الماديات، فليس هناك إغفال للماديات، ولكن المؤسف أن المادة هي التي طغت, مما يؤذن بالإفلاس.