ولدينا باحثون, مؤرخون معاصرون, تخصصوا في التاريخ للحروب الصليبية، ليس لمجرد السرد التاريخي، فقد سُبِقوا إلى ذلك, ممن عاصروا حملات من هذه الحروب من المسلمين وغير المسلمين، ولكنَّ متخصصي اليوم يدرسون هذا التاريخ المهم, ويفسرونه, ويحللون الأحداث، ويقفون عند النصوص, وعن هؤلاء المتخصصين نأخذ الحكمَ على هذه الحروب، ونوازن بينها، ذلك أنه يحكم هؤلاء المعاصرين, رغم علميتهم ونزعتهم الموضوعية, انتماءاتُهم التي لابد أن تنعكس على أحكامهم، ويهمنا منهم المنصفون, الذين تتَّبعوا هذه الحروب ففطنوا إلى منطلقاتها وبواعثها, وأدركوا غاياتِها وأهدافَها، ومزجوا بين الدافع الديني والدوافع الأخرى الاقتصادية والسياسية، ولم يعتذروا للغير, بطمس دافع على حساب دافع آخر. [1]
وعلى أي حال استمرت هذه الحروب قرنين من الزمان (495-692هـ/ 1095 -1290م) لم يتح فيها النصر للصليبيين، بل وفق الله المسلمين إلى إجلائهم وإعادتهم إلى حيث أتوا, على يد القيادات الإسلامية من أبناء المسلمين, من أمثال عماد الدين زنكي, ونور الدين زنكي, وصلاح الدين الأيوبي, وعلماء المسلمين من أمثال القاضي الفاضل, والصاحب بن عباد, والعز بن عبدالسلام, وأسامة بن منقذ, وغيرهم.
(1) انظر: فيليب فارج ويوسف كرباج. المسيحيون واليهود في التاريخ الإسلامي العربي والتركي. ــ ترجمة: بشير السباعي. ــ القاهرة: سينا للنشر, 1994م. ــ 220 ص. وانظر كذلك: أليكسي جورافسكي. الإسلام والمسيحية. ــ ترجمة: خلف محمَّد الجراد. ــ راجع المادة العلمية وقدّم له: محمود حمدي زقزوق. ــ الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, 1417هـ/1996م. ــ 236ص. ــ (سلسلة: عالم المعرفة: 215) .