فهرس الكتاب
إنَّ معلقة امرئ القيس بدأت بالجدب والقفر في الوقوف على الأطلال، ولكنها تنتهي بالمطر علامة الخير، وكأنَّ المطر علامة تدميرية تدل على الحاضر من ناحية، وتنبئ عن المستقبل من ناحية أخرى، وقد تحكمت في معلقة امرئ القيس ثنائيتان: ثنائية: الحاضر/الانفصام، وثنائية:الماضي / التواصل، ولذلك تجلى الانفصام في الحاضر في الوقوف على الطلل، ووصف الليل، وتماثل الشاعر مع الذئب في وادٍ مقفر، وتجلى التواصل في الماضي، أي بحكايات الشاعر ومغامراته، أو من خلال حديثه عن فروسيته ووصف فرسه، وأخيرًا قاده هذا كله إلى وصف المطر الذي يختلط فيه الحاضر واستشرافات المستقبل، أي أنه انتهي بمثير جديد لا تجاوز له . إن هذه الثنائية تحكم القصيدة من أولها إلى نهايتها، وتسهم في تحديد وحدة بنائية لها، ومن الغريب أنَّ أدونيس يقيم نتيجة فنية على أساس الوضع الوجودي للشاعر الجاهلي، وما دامت الحياة الجاهلية وتجربة الشاعر بخصائصه الوجودية تمثل حركة و « تتبع منحى انفعاليا وتمضي حيث يحملها شعور دائم التغير » (1) فإنه من الطبيعي أن يقود هذا التفتت والتفكك إلى تفكك القصيدة وكأن حياة الشاعر الجاهلي وعالمه الداخلي يقودان إلى تفكك القصيدة وتفتتها لأن القصيدة ـ هنا ـ « رداء الشعور الداخلي المتحرك » (2) ، ولا أحسب أن حياة الشاعر المعاصر أقل عصفا وتنوعا من الشاعر الجاهلي، وعلى الرغم من ذلك فالقصيدة الحديثة لا تعرف التفكك، في حين توسم القصيدة الجاهلية بالتفكك والتشظي وخلوها من الإطار البنائي .إن التجربة مهما كان نوعها ما دامت متوحدة فإنها تقود إلى نتيجة تؤثر قطعا في وحدة القصيدة والمؤالفة بين أجزائها .
(1) ـ ... أدونيس، مقدمة للشعر العربي، ص 30 .
(2) ـ نفسه .