فهرس الكتاب
... إنَّ في شخصية عنترة شيئًا يفارق الآخرين، لا يرضى بما رضي به الآخرون لأنفسهم، وكان يدرك في الحياة وجوده، فكان يرى الإنسان من منظار آخر، لا يحدد قيمته لون، وإنما تحدده قيم اجتماعية، فتوة وفروسية، وقد ولَّد هذا في نفسه شعورًا قويًا فيما تكتنفه نفسه، وفيما يعيش فيه، فضلًا عن مجتمعه الذي يفرض عليه نمطًا من الحياة وضروبا من المذلة والهوان . ثم كان إعجابه بابنة عمه، وهي من حرائر العرب، فاتسعت الهوة بين ما هو عليه، وبين طموحه الذي يدفعه إلى أنْ يقترن بهذه الفتاة التي تأبى طباع أسرتها وتقاليدهم أن تحقق له ما يصبو إليه » فمشكلة عنترة ولدت معه، إنها في دمه ولونه ملتصقة به، ملازمة لواقعه، فلو اتهمه الناس بالجبن لاستطاع أن يزيل تلك التهمة بالبطولة، ولو كان يعاب بالفقر لدأب في سبيل الغنى، إلا أنه كان يعاب لولادته من أَمَةٍ وللون وجهه، وهذان أمران لا قبل له بتغييرهما « (1) .
... وكان يؤرق وجدان عنترة بن شداد أنه ليس محسوبًا على قبيلته، وكان يعاني من شطرين، شطر:كونه ولد لواحدٍ من أحرار عبس، ولم يعترف به إلا بعد أن اثبت بطولة وفروسية، وبعد تردد كبير، والشطر الثاني: كونه ولد لأمَةٍ حبشية، ولذا كان بعيدًا عن افتخاره بأسرته أو قبيلته، على غرار ما كان يفعل شعراء القبائل الآخرين، فعمرو بن كلثوم مثلا كانت معلقته كلها تعبيرًا عن وجدان الجماعة، تباهيًا بمآثرها ومفاخرها واعتزازًا ببطولاتها وأمجادها، لأن عمرو بن كلثوم كان ملتحمًا بهذه الجماعة، وامتدادًا لها اذ يتحقق وجوده بوجودها، أما عنترة فلم يكن ولوعًا بهذا، وحتى في اللحظات التي يعمد فيها إلى الفخر بقبيلته تبرز أمامه مشكلة لونه الأسود قوية واضحة، فيتحول فخره إلى إشارة عابرة باهتة يحاول تغطيتها بمصيره القدري الغريب .
إني امْرؤ من خَيْرِ عَبْسٍ مَنْصِبًا
(1) ـ إيليا الحاوي، في النقد والأدب، ص 63 .