فهرس الكتاب
وليس صحيحا ان الشاعر في هذا » يحقد على بني قومه بقدر ما كان يحقد على أعدائه لأنَّ احتقارهم له هو اصل بلائه وفشله « (1) وإنما كان الشاعر يعبر عن مقارنة بين الجماعة المنهزمة متمثلة في القبيلة، والبطل الفرد متمثلًا في شخصية فارس هو عنترة، وهذه المقارنة تشبع جانبًا مهمًا من نفسية الشاعر البطل، وتشعر الآخرين بخذلانهم على كثرتهم وبعزتهم بفردية بطولته . إنَّ عنترة كان يدرك تمامًا بوصفه إنسانا جاهليًا أنَّ وجوده الحقيقي يقع في إطار قبيلته، لكنه وجود مشوب بغصة بعدي: أمه الحبشية، ولونه الأسود، ومن ثم فليس الشاعر حاقدًا على قبيلته حقده على أعدائه . ثانيهما: وهو لا يبتعد كثيرًا عن الأول، وهو يتركز في عقد ة الشعور بالنقص التي دفعت الشاعر إلى إظهار بطولته على حساب هزيمة الجماعة، كي يثبت لهم أنَّ اللون لا يمثل معيار التفاضل بين الناس، وإنما ما يشتمل عليه جوهره وأفعاله، وبذلك يحاول عنترة انْ ينقل معيار التفاضل من العرق والدم واللون إلى معيار العمل، إنَّ البطولة تعوض نقصًا يعاني منه، وهذا ما أكده في شطره الآخر الذي يحميه بسيفه وسنانه، ويتبدى من ناحية أخرى في شعر عنترة ما يؤكد إشباع الشعور بعقدة النقص باللون التي يعاني منها عنترة، ويبدو أنها لا تنجلي هذه الا وقت الشدة في وقت تحتاج إليه القبيلة كل الحاجة، إذ يرى أنَّ القبيلة تلتحم به، فارسًا لها وابنًا من أبنائها، ونراه يلفى الخير من أعمامه وأخواله، فيصبح منهم في أوساطهم، وليس كائنًا غريبًا في جسد القبيلة، يقول:
وإذا الكتيبةُ أَحْجَمَتْ وَتَلاحَظَتْ
أُلفيتُ خَيرًا من مُعمٍّ مُخولِ (2)
والخَيْلُ تَعلمُ والفَوَارسُ أَنني
فَرّقْتُ جَمعَهُمُ بطَعنةِ فَيصلِ (3)
(1) ـ إيليا الحاوي، في النقد والأدب، ص 147 .
(2) ـ تلاحظت: من اللحظ وهوالنظر، المعم والمخول: الكريم من الآباء والأمهات، أي أعمامه وأخواله .
(3) ـ طعنة فيصل: تفصل الأمور وتنهيها .