فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 256

إن عروة بن الورد يوازن بين الموت والغنى، إذ يجعل الطواف علة في الصراع مع الواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه، وإذا كان الطواف يعنى الحركة نحو غاية محددة فإنه يقود الشاعر إلى أحد أمرين: الغنى » الذي يتضمن الحياة « في زمن الفقر والبؤس، والموت الذي يعني خلاصا من حياة بائسة، إنَّ الشاعر هنا يواجه الحياة والموت بوصفهما قطبي معادلة لا بد من إصابة أحدهما، ويقول: (1)

ذَرَيني أُطوِّفْ في البلادِ لعلَّني

أُخلِّيكِ أو أُغنيكِ عن سُوءِ مَحْضَرِ (2)

فإنْ فَازَ سَهمٌ بالمنيةِ لمْ أكنْ

جَزوعًا وهلْ عن ذاكَ من مُتَأخرِ

وإنْ فَازَ سَهمي كفَّكم عن مَقَاعدٍ

لَكَم خَلفَ أدبارِ البيوتِ ومَنظرِ (3)

ويقول: (4)

دَعيني لِلغِنى أَسعَى فَإنِّي

رَأَيتُ النَّاسَ شَرُّهُمُ الفَقَيرُ

وَأَبعَدَهُمْ وأَهوَنَهم عَلَيْهِم

وَإنْ أَمسَى لَهُ حَسَبٌ وَخِيرُ (5)

وَيُقْصِيهِ النَّدِيُّ وَتَزدَرِيهِ

حَلَيلَتُهُ وَيَنهرُهُ الصَّغيرُ (6)

وَيُلفى ذُو الغِنَى وَلَهُ جَلالٌ

يَكَادُ فُؤَادِ لاقيه يَطَيرُ

قَليلٌ ذَنْبُهُ وَالذَّنبُ جَمٌ

وَلَكَنْ لِلغِنى رَبٌ غَفُورُ

إنَّ الفقر نفي اجتماعي آخر يعاني منه الصعلوك إذ يقترن الفقر بالشر والهوان والازدراء والانتهار والذنب، في حين يقترن الغنى بالصفات المضادة تماما .

(1) ـ الاصمعي، الاصمعيات، ص 44.

(2) ـ التخلية: الطلاق .

(3) ـ جعل من سهام الميسر مثلا له في مقارعة الموت، وفوز السهم: خروجه أولا، أدبار البيوت: كان الضيف إذا نزل بقوم نزل أدبار البيوت حتى يهيأ له مكانه .

(4) ـ عروة بن الورد، ديوان عروة بن الورد، ص 45 .

(5) ـ الخير: الكرم والشرف .

(6) ـ الندي: المجلس، حليلته: زوجته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت